أخبار عاجلة
الرئيسية / آخر الأخبار / ذكرى رحيل العلامة عبدالحميد عبدالعزيز كشك

ذكرى رحيل العلامة عبدالحميد عبدالعزيز كشك

في مثل هذا اليوم ٦ ديسمبر ١٩٩٦ مات سيد خطباء عصره الشيخ عبد الحميد كشك ، رحمه الله .

#لو_أدركه_مؤرِّخُ_الإسلامِ_الذهبيُّ_فماذا_يقول :

يقول #أبو_سَعْد_الـمُقَليُّ : تفكّرْتُ وتصوَّرتُ الحافظَ الذهبيَّ مؤرِّخَ الإسلام لو أدرك الشيخَ عبدَ الحميدِ كِشْك ، وترجمَ له في كتابه (سِيَر أعلامِ النُبَلاء ) بإيجازٍ .

فخطر ببالي أنه سيقُول : ” الشيخُ عبدُ الحميدِ كِشْك الإمامُ ، العالِمُ ، شيخُ الإسلامِ ، فارِسُ الـمَنابِرِ ، الجليلُ ، الزاهِدُ ، الورِعُ ، القُدْوة ، خطيبُ عصرِه ، بَرَكةُ الوقتِ ، سيِّدُ وُعَّاظِ زمانِه ، الـمِصْريُّ ، الشُبْراخِيتيُّ ، ثُم القاهريُّ ، الضريرُ ، بقِيَّةُ السَلَف .

هو عبدُ الحميدِ بنُ عبدِ العزيزِ بنِ محمَّد كِشْك ، وُلد في شُبْراخِيت بالبُحيرة في ذي القعدة سنة 1351هـ ، الـمُوافق مارس 1933م . وتعلّم إلى أنْ حصل على الدرجة الأُولى في الثانويةِ الأزهريةِ ، وفاق بذلك جميعَ أقرانِه في مِصْر ، ثُمَّ تخرَّج بكلِّيةِ أصولِ الدِينِ ، وقد فاقَ أقرانَه جميعاً أيضا ، وولِي الخَطابةَ في عِدَّة مساجِدَ بالقاهرةِ ، مِنها مسجِدٌ يُقالُ له عينُ الحياةِ في شارعِ مِصرَ والسُودان بالقاهرة .

وكان خطيباً بارعاً ، مفوَّهاً، فصيحاً ، ذكيَّاً ، رأساً في حُسنِ الوَعْظِ ، صالحاً، خاشِعاً ، زاهداً ، قانتاً ، متعبِّداً ، شُجاعاً ، مَهيباً ، مُتواضِعاً ، صاحبَ دُعابةٍ ، خفيفَ الرُوحِ ، حسن الـمُفاكَهةِ ، جيِّدَ القريحةِ ، طارحاً للتكلُّفِ ، مُحبَّباً إلى الخَلْقِ ، متتبِّعاً لأخبارِ الْمُلوكِ والأمراءِ والرؤساءِ والوُزراءِ .

وكان أبيضَ ، ليس بالطويل ولا بالقصير ، مُعتدِلَ الجِسْمِ ، صبيحَ الوجهِ ، بَهِيَّ الـطَلْعَةِ ، جَهْوَريَّ الصوتِ ، يلبسُ زِيَّ الأزهريين ، ويعتمُّ بعِمامتِهم . وكان لا يحلِقُ لِحْيتَه ، ولكِنْ يأخُذُ مِنها بحيثُ تكُونُ دُونَ القَبْضةِ .

وقد رأيتُ له تسجيلاتٍ مرئيَّة ، مرَّةً وهو على الْمِنبَرِ يخطُبُ ، ومرَّاتٍ وهُو يعِظُ الناسَ في جنازةٍ وفي غيرِها، ورأيتُ له صُوراً فوتوغرافيةً كثيرةً ، ولا أعلم بين مشايخِ زمانِه له نظيراً في مجموعِ فضائلِه ، مع ما أنعم اللهُ عليه به مِن خِفّةِ الرُوحِ ، والشجاعةِ الباهرةِ ، والفصاحةِ الظاهرةِ .

وكان بارعاً في العربيةِ ، مُتْقِناً لِما درس مِن الفِقهِ الـمذهبيِّ ، ولكِنَّه كان قليلَ العِلم بالحديثِ ، غيرَ مُتْقِنٍ له ، وهو معذورٌ في هذا ، لأنَّه ابتُلي بفقدِ بصرِه وهو ابنُ سبعةَ عشرَ عاماً أو دُونَها ، كما أنَّ أكثرَ مَن حولَه مِن أهلِ العِلمِ في ذلك الوقتِ كانوا في غَفْلةٍ عن عِلْمِ الحديثِ ، وإنَّما انتعشتْ سُوقُ الحديثِ وراجتْ تصانيفُه وأقبل الناسُ عليه في أواخِرِ حياةِ الشيخِ .

وكان يُكثِرُ في خُطبه ومواعِظه مِن نَقْدِ حُكّامِ مِصْرَ وغيرِهم أشدَّ الانتِقادِ ، فسُجِن مِراراً وأُهِينَ ، فصبرَ واحتسبَ . ثُم إنَّه ندِمَ بعدُ وصرَّح بأنَّه لو شغلَ الناسَ بالعلمِ لَكان انتفاعُهم به أحْكَمَ وأعظمَ وأسلَمَ .

طُبع من مُصنَّفاته أزْيدُ مِن تسعين كتاباً ، وشاعتْ أشرطتُه في أرجاءِ الدُنْيا ، وقام بعضُ الناسِ بتفريغِ بعضِ خُطبِه ، وطُبع بعضُها في أجزاء دون تخريْج للأحاديث ولا تحقيق !! .

وأكثرُ عُلماءِ عصرِنا وعَصْرِه لا يعرِفونَ قَدْرَه ، بل يتوهَّمون أنَّهم وشيوخَهم أعقلُ مِنه وأعلمُ وأفضلُ ، لأنَّه كان مَزَّاحاً ، طارحاً للتكلُّفِ ، لا شَوْكةَ له ولا جاهَ ولا منصِبَ ، وأكثرُ أتباعِه مِن العامَّةِ والدَهْماءِ .

والحقُّ أنَّ في عصرِه أقواماً أعلمُ مِنه بكثيرٍ ، ولكِنْ لَم يحصُلْ لَهم مِن انتفاعِهم بالعلمِ في أنفُسِهم ولا نَفْعُهم للناسِ مِعْشارُ ما أنعمَ اللهُ به على الشيخِ ، وإنَّما العلمُ ما نفعَ ، وإنَّما العلمُ الخشيةُ . وقد استفاض أنَّه مات ساجداً ، و حدَّثتْ امرأتُه أنه يومَ وفاتِه حدَّثها أنه رأى ليلةَ وفاتِه النبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- يقولُ له سلِّم على عُمرَ ، ثُم سقطَ الشيخُ ميِّتا بينهما ، فغسَّله النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- بيديه .

قضى نَحْبَه يومَ الجمعة السادس والعشرين مِن رجب سنة سبع عشرة وأربعِمائةٍ وألْفٍ ، السادس مِن دِيسمبِر سنة ستٍّ وتِسْعِين وتِسْعِمائةٍ وألْفٍ . ولا أعلمُه روى شيئاً مِن الحديثِ أو غيرِه بإسنادِه هو إلى النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ، فإنَّ هذا مِمَّا زَهَد فيه أكثرُ علماءِ مِصْرَ في وقتِه . مات وعُمرُه خمسةٌ وسِتُّون عاماً قمريةَّ .

وكان مِن مَحاسِنِ الدُنيا ، نسيجَ وَحْدِه صلاحاً وزُهْداً وفصاحةً وشجاعةً وذكاءً وظَرْفاً ونَفْعاً للخَلْقِ ، رضي الله عنه ” انتهى

ما تيسر تصوره .

من صفحة المدون

أبو سعد المقلي.