أخبار عاجلة
الرئيسية / آخر الأخبار / الضابط المميز والأمير الطموح

الضابط المميز والأمير الطموح

ولد أحمد سالم ولد سيدي سنة 1939م في مدينة المذرذرة في بيت مجد وسيادة ينتمي لعائلة أهل محمد الحبيب التي تتولى إمارة الترارزة، درس احمد سالم ولد سيدي في مدرسة المذرذرة الإبتدائية.

 

وواصل دراسته الإعداية والثانوية حتى نال شهادة الباكلوريا، دخل أحمد سالم ولد سيدي الخدمة العسكرية في 15 نوفمبر 1960م،

 

 

 

تخرج احمد سالم ولد سيدي من المدرسة الخاصة لمختلف الأسلحة ب”سينت ميركوتيكادان” ومن المدرسة التطبيقية للمشاة ومن أكاديمية “سينت سير” العريقة، كما حصل على شهادة قيادة الأركان من مدرسة القنيطرة بالمغرب،

 

تخرج أحمد سالم ولد سيدي برتبة ملازم ثم تمت ترقيته إلى نقيب سنة 1966م، ثم تحصل على رتبة رائد في العام 1969م، ثم رفع إلى رتبة مقدم في العام 1976م، شغل أحمد سالم ولد سيدي منصب عسكرية عديدة من بينها رئيس فرقة وحاكم بير أم غرين، وقائد الأركان المساعد ووالي الولاية الثانية ثم قائدا للمنطقة العسكرية الثالثة فمديرا للمدرسة العسكرية في إطار.

 

عرف أحمد سالم ولد سيدي بالإنضباط الشديد والولاء لنظام الرئيس المختار ولد داداه لكن شائعات راجت سنة 1973م عن تورطه وبعض رفاقه في التخطيط لعمل انقلابي جعلت النظام يقوم بنقل هؤلاء الضباط إلى الإدارة الإقليمية وبعض المؤسسات الاقتصادية بعيدا عن الجيش، وهؤلاء الضباط هم بالإضافة إلى أحمد سالم ولد سيدي، أحمد ولد بوسيف، المصطفى ولد محمد السالك، سويدات ولد وداد.

 

 

 

بدأت الحياة السياسية للمقدم أحمد سالم ولد سيدي مع انقلاب العاشر من يوليو 1978م وهو الانقلاب الذي دبرته مجموعة من الضباط وبعض المدنيين وتم خلال عملية التحضير له تصنيف مجموعة من الضباط من بينهم أحمد سالم ولد سيدي كأعداء يجب الحذر منهم بناءا على اعتبارات مختلفة.

 

ومع نجاح الانقلاب يوم الاثنين 10 يوليو 1978م وإكمال السيطرة على الأوضاع واعتقال الرئيس المختار ولد داداه، بدأت المشاورات من أجل تشكيل لجنة عسكرية وحكومة، وقد حدثت نقاشات ساخنة بين مختلف قيادات جماعة العاشر من يوليو حول من تحق له عضوية اللجنة العسكرية وحول جدوى إنشاء مجلس أعلى للثورة خاص بالنواة الصلبة للانقلابيين وماهو الموقف المناسب من كبار الضباط الموالين للنظام السابق،

 

ومع بروز تباينات حادة في آراء مختلف الأطراف ساد في النهاية رأي الرئيس المصطفى ولد محمد السالك القائل بضرورة إشراك جميع الضباط الكبار في اللجنة والحكومة بغض النظر عن مواقفهم السابقة، وفي هذا السياق نال المقدم أحمد سالم ولد سيدي عضوية اللجنة الوطنية للإنقاذ الوطني كما عين وزيرا للتجهيز والنقل في حكومة الرئيس المصطفى ولد محمد السالك، كما دخل اللجنة والحكومة ضباط كبار من الأصدقاء المقربين من أحمد سالم ولد سيدي مثل محمد محمود ولد أحمد لولي، أحمد ولد بوسيف، محمد ولد أباه “كادير”، تيام الحاج.

 

الخلافات المبكرة بين جماعة العاشر من يوليو التي ظهرت في اليوم الثاني للانقلاب ظلت في تفاقم مستمر بفعل عوامل منها ما هو ذاتي يتعلق بغياب التخطيط لمرحلة ما بعد نجاح الانقلاب  ومنها ما يتعلق بتدبير داخلي وخارجي كان يهدف إلى إفشال الانقلاب وتفجير وحدة قادته من الداخل، لقد أسفرت هذه التفاعلات المختلفة عن انقلاب 06 إبريل 1979م وهو الانقلاب الذي بموجبه عزز حلفاء أحمد سالم ولد سيدي من مواقعهم في السلطة على حساب بعض الأطراف الفاعلة في انقلاب العاشر من يوليو،

 

لقد أصبح المقدم بوسيف نائبا أول لرئيس اللجنة رئيسا للحكومة، فيما أصبح المقدم أحمد سالم ولد سيدي نائبا ثانيا لرئيس اللجنة وأمينا دائما للجنة العسكرية الحاكمة التي غدت تسمى لجنة الخلاص بدل الإنقاذ، كان يمكن لهذا الحلف أن يستمر في الحكم وأن يكون له شأن كبيرا في مجرى الحياة السياسية الوطنية لولا أن الموت غيب بشكل مفاجئ المقدم ولد بوسيف  في حادث تحطم طائرته على شواطئ دكار يوم 27 مايو 1979م.

 

مع تأكد تحطم طائرة رئيس الوزراء ولد بوسيف جرت اتصالات ومشاورات سريعة داخل معسكر حلفاء ولد بوسيف وكانت الأمور تتجه نحو السعي لتعيين أحمد سالم ولد سيدي خلفا لرئيس الحكومة، وبالفعل تهيأ أحمد سالم ولد سيدي نفسيا لهذا الأمر خصوصا مع القرار المخادع لحلفاء هيدالة بتكليف النائب الثاني أحمد سالم ولد سيدي بتسيير الأمور الجارية خلفا لرئيس الحكومة، داخل اللجنة ورغم رمزية حلفاء أحمد سالم ولد سيدي، فإن ميزان القوة داخل اللجنة كان يميل لصالح المقدم محمد خونة ولد هيدالة لذا تم انتخابه رئيسا للحكومة يوم 03 يونيو 1979م،

 

وفي المقابل تمت ترضية حلفاء ولد سيدي حيث انتخب العقيد محمد محمود ولد لولي رئيسا للدولة بصلاحيات محدودة، كانت أبرز الأحداث التي شارك المقدم أحمد سالم ولد سيدي في صناعتها في هذه الفترة هي قيادته للمفاوضات مع البوليساريو التي انتهت بتوقيع اتفاقية  الجزائر 05 أغسطس 1979م المثيرة للجدل، بدأت الحساسيات والحزازات في التزايد بين هيدالة واحمد سالم وقد أسفرت تلك الحزازات قرار ولد هيدالة – الذي اعتبره لاحقا خطأ تاريخيا – إقالة احمد سالم ولد سيدي من منصبه وطرده من الجيش نهائيا، في يناير 1980م وهو نفس المصير الذي واجهه العقيد فياه ولد المعيوف،

 

ورغم محاولات هيدالة اللاحقة معالجة هذا الأمر من خلال توجهه إلى تعيين أحمد سالم ولد سيدي في منصب مدير مصنع السكر كما أبلغ بذلك الزعيم الإجتماعي الشيباني ولد الهيبة في لقاء جمع بينهما، إلا أن قرار ولد هيدالة إقصاء ولد سيدي قد أثر بشكل كبير على هذا الأخير وألقى بظلال وارفة من السوداوية بين رفاق “سينت سير”، وكانت تلك هي الظروف التي استجاب فيها أحمد سالم ولد سيدي لدعوات الالتحاق بالمغرب والاشتراك في عملية الإطاحة بولد هيدالة التي كان كادير وبعض رسله يطرحونها بإستمرار.

 

رتبت بعض الأوساط الاجتماعية  المقربة من أحمد سالم ولد سيدي عملية هجرته عن موريتانيا التي تمت عبر العاصمة السينغالية دكار، في المغرب احتفى العقيد كادير بالأمير والضابط السامي أحمد سالم ولد سيدي، لكن المغاربة لم يشاركوه نفس الاحتفاء بسبب توقيع أحمد سالم اتفاقية الجزائر التي تضمنت بندا سريا يقضي بتسليم موريتانيا إقليم وادي الذهب إلى البوليساريو في ظرف ستة أشهر، ومع هذا كان المغرب يتعامل مع أحمد سالم من خلال العقيد كادير في الهدف المشترك والمتمثل في الإطاحة بحكم ولد هيدالة، شعر أحمد سالم ولد سيدي بالجفاء الذي يسود علاقته مع المغاربة بل وشعر أحيانا بأنه دخل دوامة لايدرك على وجه التحديد حقيقتها النهائية،

 

اشترك أحمد سالم في التدريبات التي كانت تتم في قاعدة “بن قرير” قرب مراكش وكان يتابع من خلال زميله كادير تطورات التحضيرات السياسية والعسكرية وتقدم الاتصالات مع الضباط في موريتانيا والتي كانت إيجابية في عمومها، سافر الكوماندوز من المغرب إلى السينغال عبر الأجواء الفرنسية، في السينغال استقبلوا من طرف رجل الأعمال المعارض حابه ولد محمد فال الذي مكنهم من التسلل إلى موريتانيا عبر النهر عند قرية “انتيكان” وكانت سيارات بطلاء عسكري في انتظارهم، ودع حابة ولد محمد فال الضباط وقد سلمه أحمد سالم ولد سيدي مصحفا كان معه، كان هذا مساء 15 مارس، وفي يوم 16 مارس 1981م

 

قاد الكوماندوز القادم من المغرب بقيادة العقيدان كادير وأحمد سالم محاولة انقلابية لم يكتب لها النجاح بسبب غياب الرئيس محمد خونة عن العاصمة في هذا اليوم وإلغائه الاجتماع الذي كان مقررا للجنة العسكرية  بالإضافة إلى تخاذل الضباط الذين كانوا على صلة بالانقلابيين وشدة المقاومة التي قادتها بعض الوحدات الموالية للنظام، ألقي القبض على العقيد أحمد سالم ولد سيدي في مقر الإذاعة الوطنية أثناء محاولته إذاعة بيان الانقلاب، وقد تم تقديمه للمحاكمة في قاعدة اجريدة رفقة أعضاء الكوماندوز، وقد حكمت عليه محكمة العدل الخاصة التي كان يترأسها العقيد الشيخ ولد بيدة بالقتل رميا بالرصاص،

 

وقد بعث أحمد سالم ولد سيدي بعد صدور الحكم عليه برسالة مؤثرة إلى زوجته لمانة بنت حبيب ولد أحمد سالم طلب منها تربية الأبناء تربية حسنة وأن لاتتزوج بعده إلا بمن هو كفؤ لها وختمها بالقول تشجعوا، وفي فجر يوم 26 مارس 1981م تم ربط العقيد أحمد سالم ولد سيدي إلى سارية اسمنتية معصوب العينين لتلقي الرصاص القاتل، وقد ظل أحمد سالم يرفع سبابته إلى السماء يشهد لله بالوحدانية فرفض الجنود إطلاق الرصاص عليه وهو في هذه الوضعية فطلب منه أن يخفض إصبعه ففعل فأطلق عليه الجنود النار، غسل القتلى ودفنوا في مقابر سرية في قاعدة اجريدة العسكرية، رحم الله أحمد سالم ولد سيدي رحمة واسعة.

 

اعداد وتقديم

سيدي أعمر ولد شيخنا

 

 

نص الرسالة الأخيرة التي كتبها الضابط الشجاع أحمد سالم ولد سيدي إلى زوجته، وقد عبرت أحسن تعبير عن كاتبها، وما كان يتميز به من شجاعة وتشبث بالمثل النبيلة، رحمه الله رحمة واسعة:

 

 

ترجمة الرسالة:

 

زوجتي العزيزة

سأغادر هذا العالم  دون أن أتمكن من رؤيتكم، ولا من رؤية الأولاد،

كوني شجاعة كما كنت دائما، وأعتني بتربية الأطفال.

و أحترمي ذكراي، لا تتزوجي إلا رجلا من مستواك، يعطف على الأولاد كما كنت أفعل.

وحدثيهم عن أخلاقي التي كنت أتحلى بها

الشرف، والوضوح، والوفاء، وما إلى ذلك،

 

ولست نادما أبدا على مفارقة الحياة إذا  كان ذلك مجديا لموريتانيا.

تحياتي لأعمر، وعيشة، ولحبيب، وكل الأهل،

إذا تمكنتم من الحصول على جثتي فضعوها بالقرب من ذوي في الميمون.

 

تشجعوا.

التوقيع: سالمكم

ملاحظة: ادفعي  لمحمدن ما يستحقه علي