أخبار عاجلة
الرئيسية / آخر الأخبار / إسهام العلماء الشناقطة في حركة النهضة الأدبية العربية/ محمد الحافظ ولد محم

إسهام العلماء الشناقطة في حركة النهضة الأدبية العربية/ محمد الحافظ ولد محم

*إسهام العلماء الشناقطة في حركة النهضة الأدبية العربية*

*حان الأوان لإنشاء مجمع علمي لإحياء التراث وصيانة مستقبل الثقافة الموريتانية*

نشرت مؤخرا جامعة شنقيط العصرية بالتعاون مع مؤسسة بلاد شنقيط للثقافة والتنمية كتابا تحت عنوان “اسهام العلماء الشناقطة في حركة النهضة الأدبية في المشرق والمغرب ملتقي القرنين الهجريين 13 – 14” ،وذلك بمناسبة مرور مائة سنة علي وفاة احمد بن الأمين الشنقيطي.,
يقع الكتاب في (411) صفحة من الحجم المتوسط .. وقد تناول بالتفصيل حياة وأثار اربعة من علمائنا الأجلاء الذين كان لهم اسهام مشهود في حركة النهضة الأدبية التي عرفها المشرق و المغرب في عالمنا العربي ابتداء من القرن ال 13 الهجري .. وهؤلاء الأعلام هم: 
محمد محمود ابن أحمد الملقب ب”ابن التلاميد التركزي ” المولود 1245هـ / 1829 م ، في منطقة لبراكنة والمتوفى بالقاهرة يوم الجمعة 23 شوال 1322هـ / 31 دجمبر 1904 م عن عمر يناهز 77سنة .
أحمد ابن الأمين العلوي الشنقيطي (المولود سنة 1280هـ الموافق 1860م في منطقة العقل بولاية اترارزة والمتوفى في القاهرة سنة 1331هـ الموافق 1913م عن عمر يناهز 50 سنة ).
محمد الأغظف ابن احمد مولود الجكني الحوضى (المولود حوالي 1262هـ بمنطقة أحياء الوسرة بالحوض والمتوفى في مراكش في شوال من عام 1337هـ عن عمر يناهز 75 سنة ).
محمد الأمين ابن فال الخيري الحسني الشنقيطي ( المولود عام1293 هـ / 1876م بمنطقة العقل بولاية اترارزه والمتوفى في الزبير بالعراق يوم الجمعة 14 جمادى الثاني 1351 هـ الموافق 13 اكتوبر 1932 عن عمر يناهز 58 سنة ).
إسهام مشهود

يتضمن هذا الكتاب أبحاث الندوة العلمية الدولية التي نظمتها جامعة شنقيط العصرية يومي 13 و 14 نوفمبر 2013 بنواكشوط وقد قدم له الأستاذ /عبد الودود ولد عبد الله ( ددود ) رئيس مركز البحوث والدراسات في جامعة شنقيط واعتبر أ ن ” إحياء مئوية أحمد بن الأمين الشنقيطي ليس مجرد احتفاء مستحق بعلم بارز بل هو – فضلا عن ذلك – وقفة استذكار لجيل من العلماء الشناقطة الذين أسهموا في مجهود النهضة العربية في المشرق والمغرب إسهاما  مشهودا “.
ونبه إلى أن النهضة لدى كل الأمم ” إن ما تكون أدبية في البداية (..) وأي محاولة للقفز على النهضة الأدبية نحو مقاربة التكنولوجيا مباشرة ، إنما تكون في الغالب قفزة مبتسرة ، توقع بأصحابها في مهاوى التردي والنكوص ” .
وتحدث عن “الاستثناء الثقافي الشنقيطي ” مبرزا أنه “قد أصبحت له وظيفة خاصة في عهد الإحياء والنهضة ، عندما اقتضى الأمر الاستفادة من الهوامش الحية لإعادة تغذية القلب”.
وبعد أن استعرض نماذج من هؤلاء العلماء الشناقطة الذين كان لهم دور في هذه النهضة ، تساءل الأستاذ عبد الودود عن لماذا لم تستمر مسيرة الإصلاح ؟ لماذا كانت صحوة هذا الجيل أقرب إلى الومضة منها إلى النهضة ؟ لماذا أضاءت ثم أشعت ، ثم خفتت ؟ ما الذي استجد ؟
وكمحاولة للرد على التساؤل الأخير، أبرز الكاتب أن حادثة الاستعمار الفرنسي أدت إلى نوع من ” التحنيط الثقافي  بحيث كانت المستعمرة (الموريتانية ) أشبه بالمتحف الحي” .
فالاستعمار وضع في موريتانيا ما يسمى (بسياسة الأعراق ) إذ اعتبر السكان ” مجموعات ثقافية وعنصرية غير متجانسة ..يمكن تسييرها بتكاليف زهيدة إذا تمت مراعاة خصوصيتها …وكان الشرط الأساسي لنجاح هذه السياسة هو في نظر الفرنسيين يكمن في الحيلولة دون تأثر الموريتانيين بما يحدث في المشرق والمغرب ” .
وخلص الأستاذ ددود في النهاية إلى ان مشروع الإصلاحية الموريتانية مازال مطروحا ، ولعله يحتاج إلى تدارسه في عدة ندوات.

*نحو تصنيف معلمة شاملة لعلماء شنقيط*

أما الدكتور/ محمد المختار ولد اباه رئيس جامعة شنقيط العصرية و رئيس مؤسسة جمعية شنقيط للثقافة و التنمية فقد أبرز أن هذا العمل مخصص ” لنخبة من أعلام العلماء الشناقطة الذين رفعوا راية مجد البلاد خارج اقليمهم ، بما قاموا به من أعمال جليلة في خدمة لسان العرب وخدمة القرآن الكريم “.
وذكر في طليعتهم ” العالم الفذ محمد محمود ولد التلاميد التركزي الشنقيطي محرر التراث الأدبي القديم و مصحح ديوان العرب و قاموسه المحيط ، و محق الحق في بحوثه وحماسته السنية و المشارك في تأسيس مجمع اللغة العربية المصري”.
ووعد بالتعريف بأعماله و إعادة تحقيق ما أتيح منها والكشف عن ابعاد رحلته العلمية المشهورة .
اما العالم الثاني فهو ” سيد أحمد بن الأمين الذي كان من رهبان العلم إذ لم تلهه عنه أهل ولا تجارة، وقد اشتهر في الريادة في تدوين الشعر الشنقيطي من خلال كتابه الوسيط في تراجم أدباء شنقيط (… ) ولم يزل هذا الكتاب المرجع الرئيسي الذى حفظ كثيرا من التراث الشنقيطي لكنه يحتاج اليوم إلى تحقيق علمي ، يصحح أغلاطه ويكشف عن غوامضه “.
ونبه الدكتور محمد المختار بن اباه إلى أن لابن الأمين أعمال جيدة غير معروفة في مجال اللغة والنحو ، أمثال شرح المعلقات و المقصور و الممدود وكتابه في الشواهد وكتاب طهارة العرب وتحقيق كتابي الأغاني و معجم البلدان.
ووعد بإعادة نشر و تحقيق بعض هذه الأعمال بدءا بكتاب الوسيط .
أما العالم الثالث فهو “العالم المربي محمد فال الخير الحسنى الشنقيطي المعدود من أعلام البصرة في العراق ، و مؤسس مدرسة الزبير ، والمجاهد الوطني “.
ووعد الدكتور محمد المختار بن اباه بنشر ترجمة هذا العالم وجمع ما يتوفر من أعماله .
والعالم الرابع هو ” الشيخ الجليل محمد الأغظف المحضري الجكني الشنقيطي ، وهو من أساطين اللغة و النحو ، لكنه لم ينل ما ناله ابن التلاميد وابن الأمين من التشهير و الإعلام ” ولا تقل مكانته عنهما ” وله مؤلفات قيمة في اللغة والنحو ” ..وقد كون هو ومجموعة من العلماء الشناقطة ” أكاديمية السلطان مولاي عبد الحفيظ “.
و أوضح الدكتور محمد المختار ابن اباه أن علماء شناقطة آخرين غير هؤلاء الأربعة برعوا في العلوم الاسلامية خارج البلاد ومنهم من له شهرة فائقة من أمثال : محمد العاقب بن ميابا و آب بن اخطور ، ومنهم من لا يعرفه إلا المتخصصون مثل : محمد بن سعيد الشمشاوي ، والشيخ أحمد بن الشمس الحاجي ، ومحمد الأمين بن أيد الجكني ، وأحمد بن خيرات التندغي  .
وخلص الدكتور محمد المختار إلى أنه (قد حان القيام بتصنيف معلمة شاملة لعلماء شنقيط تضم ملخص الأعمال التي كتبت عن البلاد في الخارج من أوروبيين وعرب وأفارقة ).
واقترح على الدولة إنشاء مجمع علمي ينسق هذه الجهود، ويقوم بنشرها، ويتابع عملية إحياء التراث و صيانة مستقبل الثقافة الموريتانية.

*الشيخ الشنقيطي الأكثر شهرة و الأوسع تأثيرا*

استحوذت البحوث التي تناولت حياة وآثار العلامة محمد محمود بن التلاميذ علي (121) صفحة من هذا الكتاب، بدأت ببحث عن سيرة هذا العالم كتبه الأستاذ سيدي محمد حدمين سيدي الهادي ـ كلية الآداب بجامعة نواكشوط ـ تناول فيه بالتفصيل سيرة هذا الشيخ الشنقيطي: نشأته ، وحقبة ما قبل الشهرة ، وحقبة ما بعد الشهرة ،ورحلاته إلي أوربا و الأندلس، ودعوته لحضور مؤتمر المستشرقين بالسويد وهجرته من المدينة المنورة إلي مصر القاهرة ، وعلاقاته مع العلماء وآثاره العلمية و الادبية ومنزلته العلمية.
تناول البحث الثاني: ابن التلاميذ في مصر قراءة اولية في اسهامه في النهضة الثقافية الحديثه “بقلم د. محمد الحسن ولد محمد المصطفي ـ جامعة نواكشوط “واعتبر هذا الباحث أن “العلماء الشناقطة كان لهم الدور الأهم في رفد الرصيد المعرفي للحركة الإحيائية الحديثة (…) ولعل محمد محمود بن التلاميذ المعروف بالشيخ الشنقيطي الأكثر شهرة والأوسع تأثيرا في مسار الثقافة العربية الحديثة “واستعرض ترجمته و مؤلفاته وجهوده في النهضة الثقافية وشهادات علماء مصر حول إسهامه في النهضة.
اما د. محمد محمود صدفه البخاري (جامعة نواكشوط) فقد تقدم “بنظرات سريعة في نص” إحقاق الحق الابن التلاميذ ..وبين ان العنوان الكامل لهذا النص هو:”احقاق الحق وتبرئ العرب مما احدث عاكش اليمني في لغتهم ولامية العرب” .. واستعرض الباحث مقدمة النص ومتنه وتحدث عن اسلوب النقد فيه و مغزاه ودلالته..
عالم متنوع الثقافة وضع لبنة لجسر للتواصل
وردت حياة العلامة احمد بن الأمين الشنقيطي في الكتاب من خلال اربعة بحوث:
ـ احمد بن الأمين الشنقيطي : حياته ومؤلفاته بقلم د. محمد ولد التجاني (جامعة شنقيط العصرية) وقد تناول مولد احمد بن الأمين واسرته وحياته ونشأته وشيوخه،ورحلته وأسفاره، ومكانته العلمية وعلاقته بأعلام عصره وكتبه ومؤلفاته.
ـ احمد بن الأمين الشنقيطي مؤرخا بقلم د. عبد الودود ولد عبد الله (ددود) (مركز البحوث والدراسات بجامعة شنقيط العصرية) يتحدث الكاتب عن أول كتاب الفه العلامة أحمد بن الأمين وهو كتاب ” طهارة العرب “الذي جادل  فيه المستشرقين باستخدام المناهج الحديثة آنذاك ، ويناقش الكاتب ويحلل رؤية هذا العالم للتاريخ من خلال كتاب (( الوسيط في تراجم أدباء شنقيط )) وكلامه على التاريخ في شنقيط ، وإيراده للشواهد والوقائع و الأحداث عنده ، و رؤيته لأصول المجتمع والسلطة . ويخلص الأستاذ عبد الودود إلى أن ابن الأمين قد رغب في أن لا يكون مؤرخا بالمعنى التقليدي للكلمة ، غير أنه بتعامله الحصيف مع النصوص ، وتأمله في المعالم و المشاهد ، وتحليله للوقائع ، وتعليله للظواهر ، قد دشن مقاربة فريدة في تعامل الشنقيطي مع تاريخ بلده ..
– أحمد بن الأمين الشنقيطي لغويا ..بقلم الأستاذ محمد ولد بتار ولد الطلبة (جامعة شنقيط العصرية ) :
يعتبر الكاتب أن أهم دراسة محظرية للعلامة أحمد ابن الأمين كانت دراسته في محظرة العلامة يحظيه ولد عبد الودود لعلوم اللغة العربية و”لم يفتأ ابن الأمين يفصح لهذه المحظرة عن صادق الإعجاب و يحفظ لشيخه بكامل الود و الامتنان “. ولاشك أن كتب ابن الأمين توحي بأنه استكمل المقرر اللغوي لهذه المحظرة ، ويعطي الكاتب أدلة مفصلة على ذلك من خلال المباحث النحوية واللغوية و الصرفية في مؤلفاته من خلال الوسيط وشرحه لديوان الشماخ وشرحه الأمالي ، وتعليقه على كتاب (ليس في كلام العرب ) وشرح المقصور و الممدود وشرح المعلقات العشر وشرح ديوان طرفة ابن العبد وكتابه طهارة العرب …
وتبرز قدرته اللغوية كذلك من خلال تعليقاته وأجوبته و توجيهاته .
ويخلص الاستاذ محمد بن بتار إلى أن ابن الأمين كان “عالما متنوع الثقافة استطاع بمهمته العالية و أسلوبه الهادئ أن يضع لبنة لجسر تواصل مستمر بين شنقيط وأخواتها في العالم الإسلامي “
– كتاب الوسيط .. تنوع الرؤية ومرونة المنهج والمعالجة ..بقلم الدكتور يحي ولد البراء -_جامعة انواكشوط – :
يتحدث الكتاب عن الوسيط من خلال ثلاث مستويات : مستوى التأطير والتنسيق ومستوى المنهج ، ومستوى الحمولة المعرفية ، ويبين ذلك في استعراضه للمؤلف وسياقاته ، وتسمية الكتاب ودواعي التأليف ، وحدود مجال معاينة ابن الأمين ومصادره في المعلومات ، وترتيب المعلومات وطبيعة عرضها في الوسيط ..و أورد الدكتور يحي بن البراء أن ابن الأمين عرف بتسعة وسبعين (79) شخصية من الشعراء أساسا أورد لهم جملة من النصوص الشعرية ألقى عليها نظرة نقدية على المستوى اللغوي و النحوي و البلاغي . وقد أخذ هذا الجانب النصيب الأوفر من الكتاب (حوالي الثلثين ) .
وتحدث الكاتب عن كيفية اختيار المؤلف للشعراء و نصوصهم ، وتحقيقاته و تفسيراته اللغوية ،وانتباهاته وأحكامه النقدية  ، واستدراكاته العلمية ، وذكره للخلافات الفقهية والفكرية ،وملاحظاته ذات الطابع الاجتماعي واستعراضه للمعلومات الجغرافية والطبيعية ، وتقديمه للمعلومات التاريخية .
وخلص ابن البراء إلى :
محورية كتاب الوسيط في الثقافة الشنقطية التي جاءت بعده .
جدة وطرافة أسلوب التأليف الذي اتبعه ابن الأمين إذا ما قورن بالمؤلفات الشنقيطية المعاصرة له.
اهمية الكم المعلوماتي الذي جمع ابن الأمين بين دفتي كتابه.
قوة وقع وتأثير كتاب الوسيط في الدراسات اللاحقة المتعلقة ببلاد شنقيط.
مساهمة كتاب الوسيط في اعطاء موريتانيا اللاحقة مشروعيتها السياسية كدولة مستقلة لأهميتها الثقافية والفكرية.
تحديد الوسيط للرؤية التي قرت في الأذهان في العالم العربي والإسلامي عن بلاد شنقيط .
الشنقيطيان ودورهما المشهود 
جمع د. الشيخ ولد سيدي عبد الله من جامعة نواكشوط في بحثه أمام الندوة بين ابن التلاميذ و ابن الأمين وعنوان البحث “الشنقيطيان ودورهما في التعريف بالثقافة الشنقيطية” ،استهل الدكتور الشيخ هذا البحث بإبراز أن الشنقيطيان دأبا في  مؤلفاتهما على الاستشهاد بمقولات شيوخهما نشرا للثقافة الشنقيطية.
فالنسبة لابن التلاميذ ـ مثلا ـ يورد الشيخ امين الحلواني انه قرأ عليه كتاب ” عمود النسب” لا حمد  البدوي في المدينة المنورة سنة 1299هـ و قد نشر في مجلة المنار حائية محمد بن حنبل وكذلك نونية ابن بونا…
وكان كتابه ” الحماسة السنية ” لوحة متناسقة الألوان للحياة الثقافية في بلاد شنقيط . ويستغرب الباحث كون رواد النقد الأدبي في مصر لم يدرجوا شعر ابن التلاميذ ضمن المدارس الشعرية هناك. كما لم يذكروه ضمن قائمة رواد المدرسة السلفية في الفكر المصري المعاصر، وهو الذي تربطه بهم صلات علمية وفكرية وصل صداها إلي اغلب الصحف المصرية..
اما ابن الأمين فقد كان لكتاب الوسيط تأثير في النهضة الشعرية المشرقية كما انتبه إلي ذلك الباحثون الموريتانيون، فقد ظهر هذا الكتاب في القاهرة سنة 1911 أثناء أوج العطاء الشعري لأحمد شوقي وحافظ ابراهيم و خليل مطران ..ومن غير المستبعد أن تكون معارضات ابن الطلبة المنشورة في الوسيط قد أوحت إلى أحمد شوقي بمعارضة أكبر شعراء العصر العباسي و الشعراء الأندلسيين ، ويضيف الدكتور الشيخ :” والحقيقة أن  الوسيط خدم الشعر الشنقيطي خدمة جليلة بحيث فتح الباب واسعا أمام شعراء هذه البلد لمزاحمة عظام الشعراء العرب على الفوز بذائقة المتلقي”.
ويعتبر الدكتور أن كتاب الوسيط يشكل مصدرا علميا للعديد من الباحثين الذين وجدوا فيه مدونة لشوارد وشواهد الشعر العربي النادرة ، فهذا الكتاب يظل – مثلا- هو المصدر الوحيد لميمية حميد بن ثور الهلالي عند بعض الباحثين  
.. إذا نظرنا إلى الأعمال التي انجزت عن الأدب العربي ابتداء من منتصف القرن العشرين وحتى اليوم نجدها تتخذ من كتاب الوسيط اهم مرجع عند الحديث عن أدب البلاد وتاريخها وجغرافيتها .

*شيخ الأمراء وسفير المحظرة الشنقيطية :*

يتناول الكتاب حياة العلامة محمد الأغظف الجكني من خلال ثلاثة بحوث ..يقدم البحث الأول ” لمحات من حياة العلامة الشنقيطي محمد الأغظف بن احمد مولود الجكني ” بقلم الباحث والصحفي الحسين بن محنض ؛ إذ يستعرض ميلاده بمنطقة أحياء الوسرة بالحوض ، وهي احياء جكنية خرجت من تنيكى منتصف القرن الحادي عشر الهجري إلى الحوض وتعاضدت فعرفت بالوسرة..واختار له أبواه اسم جده  من جهة الأم القطب الكبير والعلامة الصالح محمد الأغظف بن أحمد ( احماه الله ) الداودي (ت ..1217هـ ) ، وهو مؤسس الطريقة الغظفية بالبلاد .
 درس في ولاته وتمبكتو وتيشيت  وأسس محظرته قبل أن يحج بيت الله الحرام ثلاث مرات ، و لدى عودته من حجته الثالثة استقر في مراكش مع الملوك العلويين ، وعينه المولى عبد الحفيظ ، وهو تلميذ له ، مفتيا للديار المغربية ، وصفه السملالي صاحب كتاب “الإعلام بمن حل مراكش واغمات من الأعلام  ”  بأنه ( الفقيه البركة الناسك الشيخ العلامة الأورع المشارك ، الذي لا ينفك عن ذكر الله ، المعود لسانه دائما كلمة ” لا إله إلا الله ” ، شيخ الأخيار والأمراء و الكبار و العرفاء ) . أما العاهل المغربي المولى عبد الحفيظ فكتب عنه ( الولي الصالح و القطب الواضح ذو التآليف العديدة ، والفوائد المفيدة  والقدم الراسخة في معرفة الله جل جلاله ، سيدي محمد الأغظف ، حج وهاجر واعتكف ، وقام من آناء الليل نصفه أوكله ، رجل من أهل الجنة على و جه الأرض، لا غل ولا حقد ولا حسد و لا غيبة ، إذا زنته بقول الله تعالى (( وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما و الذين يبيتون لربهم سجدا وقياما )) كان ذلك له مقاما ).
عارض الوجود الفرنسي في المغرب فوضعوه تحت الإقامة الجبرية في منزله إلى أن توفي رحمه الله ودفن بروضة الإمام السهيلي بمراكش عام 1337هـ .
تناول العرض الثاني ” الشيخ محمد الأغظف الجكني ودوره في إثراء و تنوير الساحة العلمية بالمغرب ” بقلم السيد / محمد يحي بن محمد بن احريمو – باحث في التراث الشنقيطي – ، يقدم الكاتب تعريفا بالشيخ محمد الأغظف ، ثم يتحدث عن مرحلة التصدر و التدريس في المحظرة ، قبل أن يتعرض لجوانب متميزة في شخصية هذا الشيخ ، ويذكر منها سعة علمه وتنوع معارفه وبلوغه الغاية في الورع وحسن الخلق و الزهد والإخلاص والإقبال على العبادة ، ثم يتحدث عن الشيخ محمد  الأغظف شيخ النحو فهو أول من اعتنى بتدريس احمرار ابن بونا و نشره في بوادي منطقة الحوض ، ويمكن اعتباره متخصصا في اللغة العربية وعلم النحو ويبدو ذلك جليا من خلال كتابه ” شرح السبك العجيب لمعاني حروف مغنى اللبيب ” . ويرى الباحث أن الشيخ محمد الأغظف كان سفيرا للمحظرة الموريتانية في المغرب ، فقد فتح أعين المغاربة على التراث العلمي الشنقيطي فقد قرأ السلطان العلوي مولاي عبد الحفيظ على هذا الشيخ احمرار ابن بونا وطرته ، ونظم مراقي السعود لسيدي عبد الله ولد الحاج ابراهيم ، وقام هذا السلطان في ذلك الوقت بطبع عدد من كتب الشناقطة مثل : نشر البنود على مراقي السعود ، وشرح الشيخ سيدي أحمد بن حبت على الاحمرار المسمى “اختصار المواهب ” ثم ” وسيلة السعادة ” لابن بونا وشرح العلامة محمد فال ابن محمذن بن العاقل على أحجية ابن بونا لمولود بن أحمد الجواد .
وأبرز الباحث محمد يحي ابن احريمو أن الشيخ محمد الأغظف كان له حضور في الشأن السياسي المغربي العام ودليل ذلك دعوته إلى خلع السلطان مولاي عبد العزيز وتنصيب أخيه المولى عبد الحفيظ مكانه ملكا للمغرب ، و معارضته للانتداب الفرنسي و تحريضه على مقاومته .
أما العرض الثالث فقد تناول : ” محمد  الأغظف المحظري وجهوده النحوية بين الاحتفاء والاختفاء  ” بقلم الدكتور محمذن بن أحمد المحبوبي رئيس شعبة اللغة العربية و آدابها بالمعهد العالي للدراسات والبحوث الإسلامية . وقدم له بالحديث عن النحو و أهميته في اللغة العربية ، واستعرض سيرة الرجل : وسطه ونسبه ، نشأته وتعلمه، عطاؤه وتدريسه ،ومكانته العلميه،وجهوده  في التأليف . ويفصل الدكتور محمذن أن لهذا الشيخ شروح وتعليقات. وله نظام وتقييدات .. اما شروحه فهي بالأساس شرحه لمنظومة المولي عبد الحفيظ المعروفة ب ” السبك العجيب لمعاني حروف مغني اللبيب” .
وتحدث الدكتور عن تراث الرجل بين الاحتفاء والاختفاء مبرزا العناية الكبيرة به في بعض الأوساط العلمية ؛ فهذا العلامة الشيخ عالى مبارك الرودانى يؤلف كتابه المعروف ” حاشية فتح الصمد على شرح ابن احمد ” ، وهذا الدكتور محمد المختار بن اباه يورد جملة من آرائه النحوية وأنظامه واستدراكاته في موسوعته المعروفة بتاريخ النحو في المشرق والمغرب .
ويختم هذا الأستاذ عرضه بقوله : “وصفوة القول أن هذا اللغوي استطاع برهافة حسه وقوة حدسه واتساع معارفه أن يذلل الكثير من المسائل النحوية (…) وعلى الرغم من ذلك فان الآراء النحوية عند أهل العلم تحتاج إلى مزيد نشر وتوزيع ، والى رفيع نثر وتوسيع حتى يعم بها النفع وتكتمل منها الفائدة ” . 
الشيخ محمد فال الخير العالم المجاهد
العالم الرابع الذي يتناول الباحثون  سيرته من خلال هذا الكتاب هو العلامة محمد الأمين بن فال الخير الحسني الشنقيطي ( المتوفى سنة 1351 ه الموافق 1932 م ) .
البحث الأول تحت عنوان ” الشيخ محمد الأمين الشنقيطي من الجنوب الموريتاني إلى عنيزة والزبير” بقلم د. عبد الرحمن الشبيلي كاتب إعلامي وباحث سعودي .يذكر الكاتب أن من أهم مصادره  كتاب عن سيرة الشنقيطي من تأليف عبد اللطيف احمد الدليشي الخالدي أصدرته وزارة الأوقاف العراقية عام 1401 ه -1982 م ، وأعادت إصداره الدار العربية للموسوعات في بيروت 1429 ه – 2009 م .
هاجر الشيخ الشنقيطي إلى الزبير بإلحاح من استاذه الشيخ أبى شعيب وذلك عام 1327 ه – 1909 م، وأقام بها بإلحاح من بعض الطلبة والأهلين ، وتزوج بها بالسيدة لؤلؤة بنت سلطان السلطان ( الطويل ) وأنجبا أربع بنات وبنين بقي منهم يوسف وعائشة وميمونة . ونظرا لموقفه السياسي ضد الانجليز لصالح العثمانيين فقد اضطر لمغادرة الزبير لكنه عاد إليها ليكون احد مؤسسي مدرسة النجاة الشهيرة في الزبير ( 1923 م )  .
اشتهرت هذه المدرسة بقوة مقرراتها وبكفاية معلميها وبتنوع مناهجها واستمر عطاؤها إلى سنة 1974 م حيث جرى تأميمها من طرف الحكومة العراقية .ويتحدث المحاضر عن إقامة الشيخ الشنقيطي في عنيزة بنجد نحو عامين ، التقى خلالها بالملك عبد العزيز الذي نصحه بالابتعاد عن السياسة وعن مناكفة الانجليز ، وكتب فيها مذكراته ( 70 صفحة ) ، والتقى فيها بأحمد الجابر الصباح الذي حكم الكويت عام 1339 ه . وكانت للشيخ  علاقات بحكام الكويت وزارها مرات لكنه اضطر لمغادرتها مرتين بسبب موقفه المعارض للانجليز ، فقد شارك في معركتين بين الانجليز والأتراك ، و دعي بعد ذلك لزيارة الكويت لتكريمه والاعتذار له وذلك عام 1334 ه . 
ويتعرض الباحث للتوجهات الفكرية لهذا العالم ولزملائه ومعاصريه من العلماء ، ويختم الدكتور عبد الرحمن الشبيلى عرضه بقوله : ” وهكذا يمتد الذكر الحسن للشيخ الشنقيطى لتقارب المشرق والمغرب ، وان يكون رابطا للمحبة والتواصل الحميم بين القلوب ” .
أما العرض الثاني عن العلامة محمد الأمين الشنقيطى فقدمه الأستاذ محمد الأمين بن احظانا – باحث مهتم بالتراث الشنقيطي  – ، استعرض فيه ترجمة هذا العالم خاصة مولده ونشأته مؤكدا أن اسمه الصحيح هو محمد فال الخير بن الأمين السالم بن عبدي بن فال الخير، وقد ولد سنة 1293 ه – 1876 م عند منهل “المسومية ” بمنطقة ( العقل ) الواقعة حاليا في الحدود بين مقاطعتي الركيز وبتلميت ، وهو من قبيلة الحسنيين ( ادابلحسن ) وينتمي إلى أهل حبيب ولد احمد احد مكونات فرع أولاد احمد بن أعمر اكداش .نشأ محمد فال الخير في بيئة علمية مميزة ، وظهرت عليه علامات النجابة والاجتهاد مبكرا ، درس على خاله محمد بن عبيد الله الحسنى ثم انتقل إلى محظرة الشيخ محمدو بن بنيامين ، ثم درس على الشيخ عبد الله ولد حمين والشيخ المختار بن المعلى قبل أن ينتقل إلى محظرة أهل محمد ولد ولد محمد سالم المجلسى .
بدأ هجرته في سنة 1318 ه ، وزار عدة مدن مغربية مثل مراكش والصويرة والدار البيضاء ورباط الفتح وطنجه ، وواصل رحلته إلى مصر حيث جمعه العلامة محمد محمود بن التلاميد مع العلامة محمد عبده الذي سعى له لدى الحكومة المصرية لحمله في رحلة الحج إلى جده عبر البحر الأحمر فدخل مكة معتمرا آخر المحرم من سنة 1319ه . 
بقي في الحرمين ثماني سنوات يطلب العلم ويعلمه ويحج، والتقى بالعديد من العلماء وهم بالعودة إلى البلاد ، لكنه تراجع عن ذلك حينما علم أن فرنسا بسطت سيطرتها على موريتانيا . سافر إلى الهند  ومر بالبحرين وعمان والاحساء ثم كانت رحلته إلى مدينة الزبير بالعراق منتصف 1327 ه .
توفي رحمه الله ضحوة الجمعة 14 جمادى الثانية 1351 ه الموافق 13 أكتوبر 1932 م ودفن في مقبرة الحسن البصري . 

*مختارات من إنتاج الأعلام الأربعة*

يختتم الكتاب بملحقات من إنتاج هؤلاء الأعلام الأربعة بدأت بمختارات من إنتاج العلامة محمد محمود ولد التلاميذ : ” هذا حظ جد من المبناه وبراءة محمد محمود من عاب الجهل الذي عبناه ” ، ثم نبذ من كتاب طهارة العرب لأحمد بن الأمين الشنقيطي ، وشذرات من كتاب ” السبك العجيب ” لمحمد الاغظف بن احمد مولود الجكنى الوسري ، ومختارات من مذكرات محمد الأمين بن فال الخير الشنقيطي .
وإذا كان هؤلاء العلماء الأربعة قد أسهموا في مجهود النهضة العربية ورفعوا مجد هذه البلاد ، فان جامعة شنقيط العصرية قد أسهمت مساهمة جلى ، من خلال هذا الكتاب ومن خلال ما تنشر، في إحياء التراث الوطني وصيانة مستقبل الثقافة في هذه الربوع .

*محمد الحافظ بن محم*