أخبار عاجلة
الرئيسية / آخر الأخبار / العلامة محمد فال بن إسحاق البصادى الشنقيطي (179)

العلامة محمد فال بن إسحاق البصادى الشنقيطي (179)

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله

العلامة محمد فال بن إسحاق البصادى :

الترجمة:

هو العلامة النحرير القارئ والمقرئ اللغوي النحوي لمرابط محمدفال بن المصطفى بن إسحاق بن المختار بن سيد أحمد الطالب أعمر البصادى.
وأمه هي آمنة بنت محمدفال بن سيدي أحمد بن محمدفال(اجاجاه) بن سيدي أحمد الطالب أعمر.

نشأته وطلبه للعلم

ولد عام 1918م، وهو العام المعروف محلياً بعام (المغواس).
ولد لأسرة كريمة أصلا ومحتدا
ولا غرو إن طابت صنائع ماجد :: كريم فماء العود من حيث يعصر
إلى معشر لم يورث اللؤم جدهم :: أصاغرَهم وكل فحل له نجل

وبعد أقل من أسبوعين من ولادته توفيت والدته فتولّت تربيته جدته لأمه العابدة التقية أم المؤمنين بنت أحمد من فخظ أهل سكال، وخالته عائشة بنت محمدفال التي كانت ترضعه، وتقوم مع جدته برعايته وتدليله، وكانتا متعلقتين به أشد التعلق، ولا تستطيعان مفارقته.
تلقى مبادئ العلم حدثا على أخواله، وخاصة خاله سدي أحمد (الدد).

ثم بعد ذلك قام والده المصطفى بن إسحاق، وكان حافظا متقنا فقيها، بتدريسه وما هي إلا أسابيع معدودة حتى اكتشف فيه مخايل النبوغ والنباهة والذكاء واضحة جلية، فحفظ القرآن عليه وذهب عنه فترة وتركه مع جدته، ورجع إليه بعد سنة.
يقول العلامة محمدفال بن المصطفى، رحمه الله تعالى إنه كان ذات مساءٍ مع بعض أصدقائه من حيه وإذا بوالده ينادي عليه فأتاه ولما سلم عليه قال له “مَشّي” فقرأ عليه القرآن كاملا ة (طايبًا) بدون خطأ.
فأرسله والده لمحظرة أبناء عمه أهل محمد يحظيه، فقرأ عليهم
رسم الطالب عبد الله ونظم ابن بري وما يتعلق بهما من أنظامٍ
وكان آية فيهما أي الرسم والمقرأ إلا أنه لم يأخذ السند حينها من عند أهل محمد يحظيه.
كما قرأ عليهم في الفقه المالكي كتاب الشيخ أبى محمد ابن أبي زيد القيرواني (الرسالة) وبعض المختصر للشيخ خليل ابن إسحاق، وبعض الكتب الفقهية وكان يدرس على الشيخ محمد محمود وكذلك على ابنه محمد يحظيه وكان آية في الحفظ.

انتقل لمرابط محمدفال بن المصطفى، بعد ذلك إلى محظرة أهل كابر (ادقموهم)، وكتب عليهم بعضاً من مختصر خليل، إلا أن فترته معهم لم تطل حيث قفل راجعا لأهله وأمضى فترةً ثم ذهب للشيخ عبد الله التجاني “وأخذ من عنده السند في روايتي ورش وقالون عن نافع.
وكان في تلك الفترة يأتيه تلامذة الشيخ عبد الله في خلوته ويدرسون عليه الرسم وابن بري سراً خوفا من أن يكتشف شيخهم عبد الله ذلك.

ويقول محمدفال بن المصطفى، إن شيخه هذا، كان يأتيه ليلا تحت جنح الظلام ويقول له “ازركني فى الرسم وابن بري”
وكانت علاقته به علاقة ودٍ واحترام وتقدير علاقة شيخ بشيخ، ثم ذهب من عند عبد الله التجاني، إلى محظرة العلامة ابّاه بن محمد الأمين اللمتوني
وأمضى معه حقبة من الزمن، درس فيها شتى الفنون من فقه وأصول…
وأحبه الشيخ ابّاه حبا جماً وقربه منه لما رأى من صلاحه وتقواه وكثرة عبادته
وتعلق كل منهما بالآخر.
وكثيرا ما كان لمرابط محمدفال يقول لطلابه أثناء الدرس: قال شيخي لمرابط اباه كذا أوكان شيخي لمرابط اباه يفعل كذا..
وكان لا يطلق اسم لمرابط الا عليه.
وفي تلك الفترة كان هو ومحمد شيخنا بن اباه على علاقة خاصة يدرس كل منهما على الآخر، ولمحمد فال شروح على بعض أنظام محمد شيخنا منها شرح وضعه على منظومة لمحمد شيخنا، وبعض الشروح الأخرى.
كما أنه في تلك الفترة نقل الكثير من الكتب في الفقه والأصول واللغة والنحو والصرف والمنطق والحساب والفلك
وقد مر لمرابط محمدفال بن المصطفى، في بعض رحلاته العلمية بالشيخ العلامة صدفى بن دية من أهل الطالب مختار، ومكث معه فترة قرأ عليه فيها الشاطبية وأجازه فيها.
وكان مبجلا له مقدرا مكانته العلمية حيث نه كان يدرسه وحده يأتى إلى شجرة أمام عريشه ومعه أحد طلابه حاملا له ألويشه واذا رآهما لمرابط محمد فال خرج إليهما فيبسط الطالب لويش لمرابط صدفى ويجلس عليه ويجلس بجنبه محمد فال ويشرح له درسه حتى تنتهى فيرجع الشيخ إلى مكانه ويرجع لمرابط محمدفال الى عريشه.

ثم بعد ذلك توجه العلامة محمد فال بن المصطفى إلى محظرة أهل يحظيه بن عبد الودود، ودرس على شيخها التاه بن يحظيه، ومكث معه ما يناهز عشر سنين درس عليه فيها ألفية ابن مالك فى النحو والصرف مع توشيحها المعروف باحمرار ولد بون وطرته.
ولامية ابن مالك في الصرف مع احمرار الحسن بن زين وطرته
وألفية السيوطى فى البيان وغير ذلك.
قال إنه كتب ألفية السيوطى فى البيان ثلاث مرات حتى صار متقنا لها ماهرا بها.
وكان حافظا للنصوص متقنا لها يحفظ أنظام الطرة للعلامة ممّو وغيره مع الحواشى والنكت، وكان إلى حد قريب يحفظها بشكل متقن مع أنها لم تدرس عليه بشكل كبير.
ويذكرك حفظ لمرابط محمد فال بقول الشافعي:
علمي معي أين ما يمّمت يتبعني :: صدري وعاء له لا بطن صندوق
إن كنت فى البيت كان العلم فيه معي :: أوكنت في السوق كان العلم فى السوق
وكان الشيخ التاه ولد يحظيه رحمه الله يعطيه عناية فائقة ولا يشركه فى نظام الطلاب الذين يترتبون عليه الأول فالأول، بل يدرسه وحده وقد وكل إليه إمامة المسجد وتدريس أبنائه القرآن.
وكان التاه رحمه الله يقول إنه لا يعلم قربة أعظم عنده من تدريس محمدفال بن إسحاق، وماذاك الا لما رآه فيه من الإخلاص والبكاء من خشية الله.
وكانت عنده شجرة يدرس عندها وكان الشيخ التاه يأتيه عندها ويدرسه درسه اليومي ( كتبته).
ويحكي لمرابط محمد فال أنه ذهب إلى أهله في زيارة، وأمضى عنه سنة ثم رجع إليه فقال له العلامة التاه: كنت كل يوم آتى لشجرتك وأجلس تحتها وقتا قدر الذى كنت أجلسه معك لشرح درسك طيلة السنة.
ولما رآه شيخه التاه قد استكمل العلوم النحوية واللغوية وصار أهلا للتصدير
فبينا هو جالس تحت شجرة إذ جاءه وجلس بجنبه وسرد عليه سنده فقال له: “أنا أخذت النحو عن أبى يحظيه بن عبد الودود وذلك أخذه عن شيخه الحسن بن زين القنانى وذالك عن عبد الودود الألفغي وذلك عن المختار بن بونه الجكنى”.
ثم قفل راجعا ولكن المسيرة لم تنته بعد فما زالت الهمة تتوق إلى المعالي
فإذا كانت النفوس كبارا :: تعبت في مرادها الأجسام
فتوجه الى الشيح أحمد أبى المعالى لتزكية النفس وتطهيرها من أدرانها متمثلا قول ابن عاشر:
يصحب شيخا عارف المسالك :: يقيه في طريقه المهالك …
فصحب الشيخ أحمد فترة من الزمن إلى أن صدّره.
لكنه لم يشأ أن يفارقه بل ظل مفضلا صحبته حتى جاءه وفد من شيوخ قبيلته البصاديين وأبناء عمومته إذ جاءوا لحضور مؤتمر الشيوخ المعروف في ألاگ فذهبوا الى الشيخ أحمد ابى المعالى وطلبوا منه ان يرسله معهم لأنهم يحتاجون إليه فى التدريس والإفتاء فطلب منه أن يذهب معهم فوعدهم بأن يلحق بهم.
وما إن وصل لمرابط محمد فال إلى أماكن انتجاع العشيرة وهم حينئذ بدو يرحلون وينزلون كما هي عادة أغلب أهل المنتبذ القصي، حتى جعله الطلاب قبلة وأتوه من كل حدب وصوب.
فأسس محظرته واستقر به المقام وحفر بئرا سماها الريان وأسس عندها حاضرته وانضم إليه حيه وفخذه أهل سيدي أحمد وكان قبل إقبالهم عليه وانضمامهم إلى حاضرته يحدّث أنه رأى في رؤيا انهم اجتمعوا عليه جميعهم وقد حقق الله رؤياه مع أنهم كانوا متفرقين وبعضهم سبق وأن أسس حاضرة قبل حفر بئره التى استقر عندها
فألقت عصاها واستقر بها النوى :: كما قر عينا بالإياب المسافر

محظرته

وكانت محظرة جامعة لايرد شيخها لوحا مع شدة الاتقان والتخصص فى كل فن حتى يخيل إليك انه لم يدرس سواه، من مقرأ وفقه وأصول ومصطلح حديث ونحو وصرف ولغة وعروض وبيان ومنطق وعلم حساب وفلك ..
حيث إنه بالاضافة إلى إجازته فى النحو واللغة فهو مجاز في الشاطبية (حرز الأماني ووجه التهاني في القراءات السبع) كما ان لديه إجازة فى راوية حفص عن عاصم على حدة، إضافة إلى قراءة نافع.
أما الفقه فهو جذيله المحكك، فقد كان ماهرا في شرح نصوصه مثل مختصر خليل وشُرّاحه ورسالة ابن أبى زيد القيروانى وتحفة الحكام (العاصمية)وغيرها كثير.
وكان مواظبا على مراجعة أمهات الكتب الفقهية كلما ختم أحدها رجع إلى الآخر.
أما الأصول فكان متقنا لمراقي السعود وشروحه وهكذا الحديث ومصطلحه والمنطق وقضاياه……
كان الطلاب يجلسون متحلقين حوله، منهم من يملي عليه النص ومنهم من يملي عليه الشرح من غير ان يخطأ ولا يحتاج إلى نظر في كتاب، واستمر على ذلك ما يناهز ستة عقود لا يشغله عنهم كسب دنيوي ولا تدبير معاش
حتى أجاز مئات الرجال في شتى الفنون، وحفظ عليه القرآن المئات.
يعلمهم لوجه الله لايريد من أحدهم جزاء ولاشكورا يخدم نفسه ويحلب شاته ويرقع ثوبه لم ير يوما واقفا على باب رئيس ولا مرءوس ولا حاكم ولا محكوم همه الله والدار الآخرة.

تواضعه وعلمه

وقد كان متواضعا غاية التواضع لا يرى لنفسه فضلا على أحد مهما كان ولو كان أصغر طلابه او أبنائه يجلس حيث انتهى به المجلس لا يقبل الخدمة من أحد ولو أن يناوله وسادة.
لم ير قط مادا رجليه انما يضطجع عند شدة التعب والإرهاق اضطجاع المتأهب للقيام بسرعة لا يتمكن من وسط الفراش وإنما على طرفه لا يجلس في وسط الظل ولا على الفرش الفارهة خوف أن يستطيبها وتمنعه من النهوض لله في جوف الليل عازفا عن جميع ملذات الدنيا وزخرفها.
كان قواما لليل لا ينام منه إلا قليلا يتعجب طلابه من شدة تحمله
كان كثير البكاء من خشية الله، يبكى بكاء شديدا من تفكره وتدبره لآيات الله
أما اذا خطب أو قرأ فلا يستطيع إكمال خطبة من شدة بكائه.
كان كثير التلاوة لكتاب الله لا يفتر عن قراءة القرآن وينوع بين القراءات والروايات فى كل ختمة يختم برواية.
ومع شدة حفظه لكتاب الله وكثرة قراءته له بحيث لا يمكن ان ينساه كان آخر عمره يفضل قراءته في المصحف.
كان مجاب الدعوة مباركا كثيرا ما يرسل الله على يده شفاء المرضى
وكانت الناس تمر به اذا ارادت سفرا وتلتمس دعاءه.
جهوده في الفتوى

أما عن فتاويه وقضاؤه فكان قاضيا مفتيا عنده بصيرة عجيبة وحنكة وحكمة بحيث يستطيع ان يقنع المتخاصمين بصلح وإلا فيحكم بينهما بحكم الله.
وكان لا تتعقب فتاواه ولا يرد حكمه عرضت مرة فتوى أفتى بها على الشيخ أحمدفال بن أحمدن شيخ عين الخشبة بتگانت رحمه الله فقال لا يُتعقب شيء أفتى به لمرابط محمد فال ول اسحاق.

كان كثير الكرامات ظاهر الصلاح تواترت الناس على أنه من أهل الكشف والولاية، كثير الزيارة لبيت الله الحرام ما حجا وعمرة.
اما زهده فقد كان مضرب المثل في الزهد والإعراض عن الدنيا منفقا على الضعفاء والمساكين والسائلين مضيافا منفقا على طلابه وشيوخه يرسل لهم الهدايا وربما زاره احدهم فحمّله أنواع الهدايا ومختلف العطايا.
وكان يذهب الى حضرة أشياخه أهل الشيخ أحمد أبى المعالى فى كل سنة ثلاث مرات وكل مرة يأتيهم بالهدايا الكثيرة المتنوعة.

وفاته
مساء يوم الأربعاء فاتح رجب 1443هجرية أسلم لمرابط محمدفال بن اسحاق الروح إلى بارئها منتقلا إلى دار كثيرا ما استعد لها وسعى لها سعيها، ليوارى جسمه الطاهر ليلة الخميس فى مقبرة الريان التابعة لبلدية ادويرارة بولاية الحوض الغربى.

تغمده الله بواسع رحمته وألحقة بالذين أنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء آمين
-الدعاء-

مصدر الترجمة:
الشبكة
العنكبوتية