أخبار عاجلة
الرئيسية / آخر الأخبار / محمد المصطفى بن دداه المسومي الشنقيطي (192)

محمد المصطفى بن دداه المسومي الشنقيطي (192)

محمد المصطفى بن دداه المسومي

هو الشيخ محمد المصطفى ولد محمد (دَدَّاهْ) ولد الطالب ولد عيسى ولد كَبَّادْ المسومي.
كان جدُّه الطالب من أولياء الله الجائلين في الأرضِ، وقد حدت به همته في طلب العلم وتعليم الناس إلى أن شد الرحال إلى منطقة “الگبلهْ”، فحط رحلَه مدة طويلة بين مرابِعِ آلِ المُبارَكْ، حيث تزوج فيهم وولد له محمد أو دَدَّاهْ وأخواته، وقيل في مدح محمد:
الطَّالَبْ يَطْلَبْ مُولاَنَ :: غيرْ الَ عَادَ الَّ طَالَبْ
حَدْ امْنْ اعْبِيدُ گلْتَ آنَ :: يطْلبْ مُحَمَّدْ للطَّالبْ

وُلد الشيخ محمد المصطفى حواليْ 1880م، ببئر أخواله (شَهْلَةَ) شمال مقاطعة واد الناگة في ولاية الترارزة، لأبيه محمد(دداه)، وأمه مريم شريفَة بنت محمد يحظيه بن عبد الله الحاج المبارَكِيَّة.

بَدَتْ مخايِلُ الذكاء عليه مُبَكِّرةً، حيث تعلم كثيرا من العلوم والمعارف بمجَرَّدِ السماع والمذاكرة.. تلقَّى جُلَّ تعليمه بين أخواله، وكان شيخُه في اللغة وعلومِها الأديبُ اللغويُّ المعروف: عبد الله العتيق ولد ذي الخِلَالِ، ودرَسَ الفقه على العلامة يحْظِيه ولد عبد الودود، كما درس على العلامة حامدُنْ بن محنض باب وغيرِهم.
وقد ظلَّ الشيخ محمد المصطفى محل إجلال وتقدير من العلماء والشعَراء وذوِي الشأن العام..
وقد تُرجم ذلك شعرا ونثرا، يقول في مدحه الأستاذُ الأديب سيد محمد بن باباه الجكني:
مَا فِي مَشَارِقِ أَرْضِ الْخَالِقِ الْبَارِي :: ولاَ مَغَارِبِهَا كَالشَّاعِرِ الدَّارِي
مُحَمَّدِ الْمُصْطَفَى مَجْدًا وَمَكْرُمَةً :: تَاجِ الْمَحَافِلِ فِي بَدْوٍ وَأَمْصَارِ
الزَّاهِدِ الْعَابِدِ الْحَاوِي لِكُلِّ عُلاً :: وَالْخَائِفِ الْعَارِفِ الْعَارِي مِنَ الْعَارِ
فَتًى أَدِيب لَبِيب فَائِق ذَرِب :: قَدِ ارْتَضَاهُ سَمِيرًا كُلُّ أَخْيَارِ
يُنْمَى لِخَيْرِ فَتًى يُنْمَى لِخَيْرِ فَتًى :: وَقَادَةٍ رَادَةٍ تُنْمَى لِأَقْمَارِ
كَأَنَّهُ بَيْنَ أَهْلِ الْعَصْرِ لُؤْلُؤَةٌ :: بَيْنَ النُّحَاسِ وَطِرْفٌ بَيْنَ أَعْيَارِ
وَقَاهُ ذُو الْعَرْشِ فِي ذِي الدَّارِ كُلَّ أَذًى :: وَحَرَّ مَوْقِفِ تِلْكَ الدَّارِ وَالنَّارِ

ولئن كان الشيخ محمد المصطفى بن دَدَّاه قد تبحَّرَ في مختلف العلوم، وخصوصا منها علمَيْ التفسيرِ والتاريخِ، إلا أنَّ جانبَهُ الأدبِيَّ والشعريِّ قد طغى كثيرا على جوانبه الأخرى..
لقد عُرف الشيخ محمد المصطفى بجَزالة الشعر ورَصانتِهِ وقوته وبعده البلاغي وحسنِ استخدامه للمحسنات اللفظية..
ومن أشهر شعره مديحيته “بين الأَجَمِّ” التي يقول فيها:
بَيْنَ الأَجَمِّ فَذَاتِ الْجِنِّ فَالْوَادِي :: فَالْوَدِّ فَالْمُنْحَنَى مِنْ نَعْفِ زَيَّادِ
مَنَازِلٌ طَالَمَا طَابَ الثَّوَاءُ بِهَا :: أَيَّامُهَا لَمْ تَزَلْ أَيَّامَ أَعْيَادِي

إلى أن يقول:
نُورٌ تَنَقَّلَ مِنْ شِئْثَ الْوَصِيِّ إلَى :: ثَانِي أُولِي الْعَزْمِ نُوحٍ سَيِّدِ النَّادِي
إلَى الْخَلِيلِ إلَى صُلْبِ الذَّبِيحِ إلَى :: إلْيَاسِ خِنْدِفَ ذَا سَعْدٍ وَإسْعَادِ
حَتَّى تَدَلَّى إلَى عَمْرِو الْعُلَى فَعَلاَ :: عَمْرٌو بِهِ كُلَّ مَحْظُوظٍ بِأَجْدَادِ
جَدِّ النَّبِيِّ خِتَامِ الأَنبِيَاءِ كَمَا :: قَدْ كَانَ أَوَّلَهُمْ آبَادَ آبَادِ
نَبِيُّنَا الزَّمْزَمِيُّ الأَبْطَحِيُّ أَتَى :: مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا نَادِيَ الْبَادِي
وَاللهُ عَلَّمَ مُوسَى ثُمَّ كَلَّمَهُ :: مِنْ جَانِبِ الطُّورِ طَوْرًا دُونَ مِيعَادِ
وَكَلَّمَ الْهَادِيَ الأُمِّيَّ سَيِّدَنَا :: مِنْ قَابِ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى لِإرْشَادِ
فِي مُسْتَوًى عَزَّ جِبْرِيلاً تَجَشُّمُهُ :: وَلَمْ يَزِغْ بَصَرُ الْهَادِي عَنِ الْهَادِي

اجتماعيا وسياسيا اضطلع الشيخ محمد المصطفى بدور مشهود في شؤون مجتمعه والذب عنه… وكوَّنَ علاقات مع أغلب علماء وأعيان البلد بِرُمَّتِهِ من الگبله والسينغال إلى الحوض الشرقي.
يقول عنه أحمدْ بن محمد بن باب بن الشيخ سيديا: «…. فالرجل بحرٌ لا ساحلَ له وجوُّ علميٌّ بَحْتٌ وآدابٌ جمةٌ وأخلاقٌ طيبةٌ ومعاشرةٌ حميدةٌ، فكأنما خُلِقَ لكل قلبٍ، يحدِّثُ كلا بما يشتهي، لقد تَسَنَّى لي خلال بعض اللقاءات معه أنْ أُشبِعَ رغبتي من شَذَراتِ معارفِهِ وطرائفِهِ، فإذا أخذَ بفَنٍّ ما ظننتُ أنه يُحْسِنُ غَيْرَهُ».
في بداية الثلاثينيات من القرن العشرين شَدَّ محمد المصطفى الرِّحَالَ إلى ديَارِ بني عمِّهِ أهل كبَّاد بمنطقة “ارگيبه”.
وبعد أن اشتدَّ الاشتياقُ والحَنينُ بِابْنِ خاله العلامة محمد عالي بن عدود أرسل إليه قصيدةً رقيقةً يقول فيها:
مَا كُنْتُ أَحْسِبُ أَنَّا قَبْلَ بَيْنِهِمُ :: لاَ عَنْ قِلًى بَانَ عَنْ سَاحَاتِ مَنْزِلِهِ
وَالأَرْضُ تَسْعَدُ أَحْيَانًا وَآوِنَةً :: إلاَّ حَيَاةً وَرُوحًا بَيْنَ أَشْبَاحِ
لَكِنَّهُ ضَاقَ عَنْهُ أَفْسَحُ السَّاحِ :: تَشْقَى وَتَكْسُدُ حِينًا بَعْدَ أَرْبَاحِ

فرد عليه بقصيدة يقول فيها:
فُضَّ الْخِتَامُ وَفِيهِ حِينَ تُبْصِرُهُ :: خَطُّ ابْنِ مُقْلَةَ فِي قِرْطَاسِ جَحْجَاحِ
نَعَمْ وَفِيهِ مِنِ ايدَاعِ البَدِيعِ بِهِ :: مَا كَادَ يَعْجِزُ عَنْ إيقَاعِهِ الْجَاحِ ــظ
فَفَاحَ مِنْ نَشْرِهِ نَشْرٌ يُذَمُّ لَهُ :: رِيحُ الرَّيَاحِينِ مَمْزُوجًا بِتُفَّاحِ
إذْ جَادَ مِنْ عِنْدِ مَخْفُوضِ الْجَنَاحِ وَمَرْ :: فُوعِ الْجُنَاحِ بِإمْسَاءٍ وَإصْبَاحِ
الْمُوضِحِ الْمُشْكِلاَتِ النَّازِلاَتِ بِهِ :: عَلَى الْبَدِيهَةِ مِنْهُ أَيَّ إيضاحِ
جَذْلِ الْمَسَائِلِ مَحْمُودِ الْوَسَائِلِ عَنْ :: سُبْلِ الْخَنَا عَيْنُ نَزَّاعٍ وَنَزَّاحِ
جَمِّ النَّوَالِ قَلِيلِ الْمَالِ يَرْغَبُ عَنْ :: جَمْعِ الْحُطَامِ بِإلْحَافٍ وإلْحَاحِ
لاَ بُدَّ مِنْ زَوْرِكُمْ فِي زَوْرِ رَاحِلَةٍ :: زَوْرَاءَ تَزْوَرُّ عَنْ أَشْبَاهِ أَشْبَاحِ

مارس الشيخ محمد المصطفى التدريس في مدرسة كيفة إبَّان الثلاثينات من القرن العشرين، ومن أبرز تلاميذه فيها الإدراي والوزير يحي ولد مَنكُوسْ، والقاضي أحمد ولد أحمد ولد المختار..
ومن أبرز من أخذوا عنه الأستاذ محمد عبد الله ولد زَرُّوقْ العلوي، والشيخ الأديب محمد يَبْرَه ولد بَيَّه، والأستاذ الأديب سيدي محمد ولد بابَّاهْ الجكني وغيرهم.

له تأليفان في تفسير القرآن، وديوان شعري فصيح جمعه وحققه الأستاذ: أعمر ولد أحمد ولد بَيَّهْ، كما أفرد الاستاذ المفتش محمد يحي ولد الولي، قصيدته المدحية بكتاب مستقل.

توفي رحمه الله 1949 ودفن في مقبرة تامورت ارْغَ شرقيَّ وادي تَقَادَةِ إريجِ على بعد 20 كلم شمال شرقي مقاطعة گرو.
تغمده الله بواسع رحمه.

كامل الود