
في صمت ثقيل، تواصل السفن الرمادية رسوّها في الموانئ المغربية، محمّلة بأدوات الموت المتجهة نحو مستوطنة “حيفا”، لدعم آلة الحرب الصهيونية التي تفتك بأطفال ونساء غزة. وبينما يوسّع المخزن بوابات العبور، يفتح الشارع المغربي أبواب الغضب. فمن طنجة إلى الدار البيضاء، يعلو الرفض الشعبي لشراكة العار: لا لسفن القتل، لا لمرور العتاد، لا لإبقاء التراب المغربي منصة للعدوان وجسرا نحو الإبادة، وإزاء كل هذا وأكثر اتخذ الشارع قراره أن يكون يوم الأحد المقبل موعدا مفصليا، يتقدّم فيه الأحرار ليخطّوا بكلمتهم معركة استرداد الكرامة المنتهكة والسيادة المسلوبة.
في مشهد كابوسي يتكرّر بلا هوادة، تشقّ السفن الرمادية طريقها بثقلها وصمتها نحو المرافئ المغربية، تماما كما دأبت على فعله طوال الشهور الماضية. لا كاميرات ترصد، ولا مسؤولون يفسّرون، فقط العتمة ترافق الحديد، فيما تتجه البوصلة نحو مستوطنة “حيفا”. لا تحمل هذه السفن شحنات اعتيادية، بل تنقل صناديق حديدية تضم أدوات حرب وجريمة مستمرة: أجزاء مقاتلات “F-35″، صناديق للإبادة، وتجهيزات قتل لا تفرّق بين طفل ومقاوم. بهذا السلوك، حوّل المخزن موانئ المغرب إلى ممرات يعبر من خلالها الموت إلى غزة المحاصرة. وفي المقابل، ارتفع صوت الجبهة المغربية وحملة “BDS”، وتعاظم معه غضب الشارع الرافض.. المصمّم على كسر معادلة الصمت والخنوع. أحرار المغرب لا ينتظرون أوامر من أحد؛ بل ينطلقون بمبادرتهم، متحدّين الحصار الإعلامي والسياسي، ومصرّين على وقف تدنيس مرافئ بلادهم المسلوبة بشحنات العار. لذلك، لا يأتي يوم الأحد المقبل كأي يوم عابر، بل يتحوّل إلى موعد للغضب الشعبي، ودرس جديد في الكرامة والسيادة. فمن الدار البيضاء إلى طنجة، تستعد المسيرات للهتاف واللافتات، لا من باب الاعتراض الموسمي، بل لإعلان الرفض القاطع أن تظل الأرض المغربية منصة تُطلق منها النار على شعب فلسطيني أعزل يواجه الإبادة كل يوم. إنها ليست مظاهرات عابرة، بل نبض صادق يواجه التواطؤ بشجاعة: لا لسفن الموت، لا لتمرير السلاح عبر مرافئ المغرب الذي حوله الخونة إلى شريك رسمي في إبادة غزة.
يستعد مناهضو التطبيع في المغرب لتنظيم احتجاجات حاشدة يوم الأحد المقبل في كل من الدار البيضاء وطنجة، رفضا لتحوّل موانئ المملكة إلى منصات لوجستية لنقل العتاد العسكري إلى الكيان الصهيوني، في ظل حرب الإبادة المتواصلة على قطاع غزة. وقد دعت الجبهة المغربية لدعم فلسطين ومناهضة التطبيع إلى أشكال نضالية ميدانية في المدينتين المذكورتين، للتنديد بما وصفته بـ”رسو سفن الإبادة” القادمة من الولايات المتحدة، والمحملة بمعدات عسكرية مخصصة “لجيش” الاحتلال الصهيوني.
ويأتي هذا الحراك الشعبي في سياق استمرار التورط الرسمي للمخزن في تسهيل عبور هذه الشحنات القاتلة عبر الموانئ المغربية، وهو ما كشفته مجددا حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات(BDS) التي نشرت بيانا تحت عنوان “من الصمت الرسمي إلى التورط الفعلي”، وفضحت فيه وقائع دقيقة تتعلّق بمرور شحنات عسكرية خطيرة عبر موانئ المملكة باتجاه ميناء حيفا المحتل.
بحسب بيان الحركة، انطلقت سفينة الشحن “ميرسك أتلانتا” يوم 19 جويلية من ميناء هيوستن الأمريكي، وهي تحمل حاويتين مخصصتين لنقل أجزاء أجنحة طائرات “F-35″، التي تُعدّ من أبرز أدوات القتل الجماعي التي يعتمد عليها “جيش” الاحتلال في حربه ضد الفلسطينيين. من المنتظر أن ترسو هذه السفينة يوم 3 أوت في ميناء طنجة، تمهيدا لنقل الحاويتين إلى الشركة الصهيونية للصناعات الجوية.
وفي نفس اليوم، ستصل سفينة أخرى تدعى “ميرسك نورفلوك” إلى ميناء الدار البيضاء، قبل أن تتوجّه لاحقا إلى ميناء طنجة المتوسط لاستلام الشحنة يوم 5 أوت، ثم تبحر نحو ميناء حيفا بفلسطين المحتلة، حيث يتوقّع أن تصل يوم 14 أوت. هذا المسار البحري، الذي يبدأ من مصانع السلاح الأمريكية وينتهي في عمق فلسطين المحتلة، يمر عبر مرافئ مغربية يُفترض أن تخدم سيادة المملكة لا أن تتحول إلى ممرّات لوجستية لصالح “جيش” الاحتلال الصهيوني.
حركة “BDS” لم تكتفِ بكشف مسار السفن، بل وضعت السلطات المغربية في موضع المساءلة الأخلاقية والقانونية، مؤكدة أن توريد هذه الشحنات عبر بنى تحتية مغربية لا يمكن تفسيره كمسألة تقنية أو إدارية، بل يمثل تورطا فعليا في دعم آلة الإبادة. كما نبّهت إلى أن ميناء طنجة المتوسط تحوّل، منذ نوفمبر 2024، إلى مركز رئيسي لعمليات شركة “ميرسك” في البحر الأبيض المتوسط، وتستقبل سفنه بانتظام شحنات عسكرية تُعاد توجيهها نحو الاحتلال.
ولم يمرّ هذا الصمت الرسمي دون اعتراض شعبي واسع. فقد شهدت مدينتا الدار البيضاء وطنجة، خلال شهر أبريل الماضي، موجة من الاحتجاجات تحت شعار “لا لجعل موانئنا جسرا للمجازر”، عبّر خلالها المغاربة عن رفضهم القاطع لتحويل البنية التحتية الوطنية إلى أداة تخدم جرائم الحرب الصهيونية. وقد اعتبر المتظاهرون حينها أن مرور هذه الشحنات من الموانئ المغربية لا يهدد فقط القضية الفلسطينية، بل يمسّ جوهر السيادة الوطنية، ويضع الدولة في موضع التواطؤ المكشوف مع سياسة التطهير العرقي الجارية في غزة.
كما أعلنت الجبهة المغربية عن تنظيم اليوم الوطني الاحتجاجي والتضامني السادس والعشرين، يوم السبت المقبل، يتضمّن إضرابا رمزيا عن الطعام في مقرات مكوّنات الجبهة، إلى جانب فعالية مركزية في مقر الجمعية المغربية لحقوق الإنسان بالعاصمة الرباط، تحت شعار: “ضد تجويع سكان غزة، من أجل وقف الإبادة الجماعية، فتح المعابر لدخول الغذاء والدواء، وإيقاف التطبيع”.
بيان “BDS” استعرض أيضا معطيات تقنية تؤكد الطابع المنهجي لهذا التورط، مشيرا إلى أن شركة “ميرسك” نقلت على مدى السنوات الخمس الماضية أكثر من 1009 شحنات متصلة بسلسلة توريد طائرات “F-35″، بوزن إجمالي يفوق 68 ألف طن، وكلها تدخل ضمن منظومة التسلّح الأمريكي المقدّم “للجيش” الصهيوني. وأكّد البيان أن هذه الطائرات، إلى جانب استخدامها في غزة، لعبت دورا رئيسيا في العدوان على لبنان، واليمن، وسوريا، وإيران.
في هذا السياق، حمّلت حركة المقاطعة الدولة المغربية المسؤولية القانونية والأخلاقية وفقا للقانون الدولي الإنساني، ولا سيما اتفاقيات جنيف ومعاهدة تجارة الأسلحة، التي تحظر توفير أو تسهيل العبور العسكري نحو أطراف متورطة في ارتكاب جرائم حرب. وطالبت سلطات الرباط بالانسجام مع الإرادة الشعبية، واتخاذ موقف واضح برفض استقبال سفن الموت في الموانئ المغربية، احتراما للسيادة الوطنية وللقيم الإنسانية الجامعة.
كما وجّهت الحركة نداء مباشرا إلى عمال الموانئ المغاربة، داعية إياهم إلى الامتناع عن تقديم أي نوع من الخدمات اللوجستية لشركة “ميرسك”، بما في ذلك عمليات التفريغ أو الشحن، وعدم المشاركة في أي نشاط يربطهم مباشرة أو غير مباشرة بآلة الحرب الصهيونية. واعتبرت أن هذا الموقف لا يمثل فقط انحيازا للمبادئ، بل يندرج ضمن أشكال المقاومة المدنية التي تستعيد دور العمال في مواجهة مشاريع التطبيع العسكري والاقتصادي.
ودعت “BDS” القوى الحيّة والمناضلة في المغرب إلى تصعيد الضغط السياسي والميداني، ووقف جميع أشكال التعاون مع الاحتلال، خصوصا في المجالات العسكرية والأمنية. كما شددت على ضرورة توسيع حملات المقاطعة ومضاعفة الأنشطة الجماهيرية، لإسقاط اتفاقيات التطبيع التي فرضها المخزن رغم الرفض الشعبي العارم.
في ختام بيانها، شدّدت الحركة على أن استمرار الصمت الرسمي لا يعني الحياد، بل يجسّد تواطؤا حقيقيا مع جرائم الإبادة، ويمثل خيانة لنبض الشارع المغربي الذي لم يتخلَّ يوما عن قضيته المركزية: فلسطين. ودعت السلطات إلى التحرك العاجل لوقف استخدام التراب المغربي كممر للأسلحة الفتاكة، مؤكدة أن هذا الحراك الشعبي ليس لحظة انفعالية، بل بداية مسار طويل لاستعادة القرار السيادي، ووضع حدّ لمشاركة المغرب في جرائم ترتكبها آلة عسكرية استعمارية ضد شعب أعزل يُنكل به يوميا على مرأى من العالم.
Tabrenkout موقع تابرنكوت الاخباري



