أخبار عاجلة
الرئيسية / آراء / الإمام ناصر الدين ومقاومة الاسترقاق: حركة إصلاحية مرابطية في مواجهة المشاريع الكولونيالية بالضفة اليمنى (1673–1674م)”

الإمام ناصر الدين ومقاومة الاسترقاق: حركة إصلاحية مرابطية في مواجهة المشاريع الكولونيالية بالضفة اليمنى (1673–1674م)”

📘-

✍️ د. السالم بن دَيْد عبود

📝 تمهيد المبحث:

إن حركة الإمام ناصر الدين الديماني في القرن السابع عشر
لم تكن مجرد دعوة دينية تجديدية محدودة النطاق، بل مثلت مشروعًا مرابطيًا شاملًا ذا أبعاد عقدية وأخلاقية وسياسية واقتصادية، حاول من خلاله إعادة صياغة العلاقة بين الدين والسلطة، وبين الإنسان والحكم، في الفضاء الإفريقي الصحراوي والنهري.

وقد تميزت هذه الحركة بجرأتها على استهداف الأنظمة القائمة، مسلمةً كانت أو وثنية، إذا انحرفت عن مقتضيات العدل والحرية، خصوصًا حين يتعلق الأمر بأشنع مظاهر الاستغلال الإنساني: الاسترقاق والاتجار بالبشر، وهي الظاهرة التي تحالفت فيها قوى محلية مع الشركات الأوروبية النشطة على ضفاف نهر السنغال، برعاية استعمارية مبكرة كانت تمهد لبسط النفوذ الفرنسي في المنطقة.

لقد اصطدمت دعوة ناصر الدين بمصالح كبرى، ليس فقط لأنها حرّمت بيع العبيد – وهو ما اعتبره الفرنسيون مساسًا مباشرًا بتجارتهم – بل لأنها أيضًا بشّرت بفكرة “التوبة الجماعية”، والتطهر من مظالم الحكم، والدعوة إلى إصلاح شامل يُسند الحكم إلى قيم الشريعة والعدل، ويجعل الحاكم خادمًا للأمة لا سيدًا عليها.

ومن ثمّ، لم يكن غريبًا أن ينظر الأوروبيون إلى هذه الحركة بعين القلق والتربص، وأن يبادروا بالتدخل عسكريًا في أول فرصة سانحة لإجهاضها، كما وقع بالفعل سنة 1674م حين استُشهد الإمام ناصر الدين، وقُضي على رأس تلك القوة الدينية الناهضة.

وفي هذا المقال، سنحاول – عبر تتبع الشهادات الأوروبية والمصادر الإفريقية – أن نرصد المواقف المختلفة من حركة ناصر الدين، ونكشف عن خلفياتها الفكرية والسياسية، والتهديد الذي شكّلته على النظام الكولونيالي الناشئ، مؤكدين في الوقت نفسه أن أثرها ظل ممتدًا في الضمير الإسلامي لغرب إفريقيا رغم قِصر عمرها الزمني.

🧭 أولًا: الموقف الأوروبي من حركة ناصر الدين

  1. عداؤهم للدعوة “المرابطية الجديدة”

وفق ما نقله شامبونو Chambonneau في كتابه “Deux textes sur le Sénégal”:

“هذا المرابط المنتمي إلى شعوذة محمد من أمة البيظان التي تسكن بلاد البربر…”
ويصفه بأنه “رجل طموح”، تجاوز الدعوة في بلاده إلى “تغيير العادات والدين”، ثم عزم على مدّ حركته إلى بلاد الزنوج “ليفعل بها كما فعل في بلاده”.

  1. دعوته إلى “التوبة” وتحريم الاسترقاق

ينقل شامبونو عن مشاهداته سنة 1673م، أن ناصر الدين:

“كان يدعو في الساحات العمومية إلى التوبنان – وهي تحريف لكلمة التوبة – وقد استجاب له الزنوج لما وجدوه يدعو إلى الشريعة، والحرية، ورفض الطغيان”،
بل ويذكر أن الزنوج “رافقوه في حله وترحاله”، حتى “خضعت له سائر مملكة والو”.

🛡️ ثانيًا: الموقف العقيدي والأخلاقي لناصر الدين

  1. تبريره لحربه على بعض الممالك السودانية

رغم أن كثيرًا من تلك الممالك كانت قد دخلت الإسلام، إلا أن ناصر الدين ـ كما يذكر شامبونو ـ كان يرى أن:

“الزنوج كانوا يسترقون الأحرار ويبيعونهم للأوروبيين”،
وكان يعتبر ذلك من أعظم المنكرات، فخاض القتال ضدهم تحت مبرر شرعي: “إنما قاتلهم لاسترقاقهم الأحرار”.

  1. شرطه الأساسي في مفاوضات الصلح

حين أرسلت البعثة التجارية الفرنسية في سان لويس مبعوثًا للتفاوض معه، كان أول شروطه – كما ينقل شامبونو –: “إنهاء تجارة الرقيق!”
وهو شرط قال عنه شامبونو: “لا يمكن تحققه”، لأنه يضرب مصالحهم الاستعمارية في العمق.

⚖️ ثالثًا: الموقف الحقوقي والسياسي للإمام ناصر الدين

  1. مقولته الفارقة في الحكم والعدالة

ينقل شامبونو عن لسان الإمام ناصر الدين قوله:

“إن الله حرّم على من يلي أمور الناس نهب أموالهم وسفك دمائهم واسترقاق رقابهم. وإنما أوجب عليه رعايتهم وحمايتهم من كل الآفات. إن الله سخّر أولي الأمر للناس، ولم يسخّر الناس لأولي الأمر.”

وهي مقولةٌ تُعدّ من أبلغ التصريحات في الفكر السياسي الإسلامي الإصلاحي المبكر في غرب إفريقيا، وتشير إلى إدراك ناصر الدين لمفهوم “ولاية الأمة” و”وظيفة الدولة الرعوية”.

🔥 رابعًا: ردة الفعل الفرنسية ومقتل ناصر الدين

يؤكد المؤرخ السنغالي بوبكر باري Boubacar Barry في كتابه:
“Le Royaume du Waalo”
أنّ البعثة الفرنسية في سان لويس: “كانت تتحين الفرص للانقضاض على قوة ناصر الدين، لأنها كانت تهدد مصالحها التجارية، خصوصًا تجارة العبيد”.

وقد سنحت الفرصة في مطلع سنة 1674م، حيث قامت مملكة والو – بتحريض فرنسي مباشر – بتجنيد مجموعة من المحاربين المحليين بقيادة “سيد أحمد التفاريتي” – أحد العناصر التي جُنّدت خصيصًا من قبل مملكة والو – فتمكنوا من اغتيال الإمام ناصر الدين؛ لتنتهي بذلك مرحلة القيادة المركزية للحركة، ويدخل المشروع الإصلاحي في طور المقاومة والتراجع.

📌 وتُعد هذه الحادثة – بحسب بعض الباحثين – نموذجًا مبكرًا لما يمكن تسميته تحالف القوى المحلية والمصالح الاستعمارية ضد الدعوات الإصلاحية الإسلامية في غرب إفريقيا، وهو ما سيتكرر لاحقًا في حركات الفوتيين (سليمان بال، والحاج عمر تال).

🧾 خاتمة تحليلية:

وبذلك، تكشف تجربة الإمام ناصر الدين عن واحدة من أقدم حركات المقاومة الإسلامية للإمبريالية في غرب إفريقيا، حيث اجتمعت في مشروعه الدعوي والسياسي ملامح “الدولة الإصلاحية” التي توازن بين الشريعة والحرية، وتضع العدالة في صميم الحُكم، وتُعيد الاعتبار للفئات المستضعفة، رافعةً شعارًا غير مألوف في عصره: “تحريم الاسترقاق باسم الدين”.

فرغم اغتياله في سنّ مبكرة، ظل أثره راسخًا في ضمير شعوب المنطقة، كما ظل اسمه حيًّا في الذاكرة الشعبية والدينية في السنغال وموريتانيا، بوصفه “مرابطًا مجددًا”، جمع بين الجرأة الإصلاحية والشرعية التاريخية.


📚 التوثيق العلمي للمصادر

  1. Chambonneau, “Deux textes sur le Sénégal”
    – هو أحد أهم الشهادات الفرنسية حول منطقة السنغال خلال القرن 17م، ويصف بدقة نشاط ناصر الدين.
    – النصوص مأخوذة من وثائق محفوظة في أرشيف المستعمرات الفرنسية.
  2. Boubacar Barry, “Le Royaume du Waalo”, Karthala, 1985.
    هذا الكتاب يُعدّ من أبرز المراجع الأكاديمية حول ممالك الضفة السنغالية، وقد خصّص فيه فصلاً لحركة ناصر الدين وسياقها التاريخي وتأثيرها.

صدقة جارية