
جبل عرفات: جنة آدم عليه السلام:
—————————
`. الجنّة في اللسان العربيّ حديقةٌ مثمرة:`
إنّ كلمة (الجنة) لفظٌ مشترك يحتمل معاني مختلفة، فالجنة لا تعني دائمًا الجنة العالية التي أعدّها الله تعالى لعباده المتقين في السماء، بل وردت في القرآن الكريم بمعنى الحديقة أو البستان، كما في قوله تعالى:
(إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة) {القلم: 17}، وكما في قوله تعالى: (ودخل جنته وهو ظالم لنفسه قال ما أظن أن تبيد هذه أبدًا) {الكهف: 35}، فالجنة هنا بمعنى البستان والحديقة المثمرة.
وهو ما نجده أيضًا في قوله تعالى: (لقد كان لسبإ في مسكنهم آية جنتان عن يمين وشمال) {سبأ: 15}، فالجنتان هنا حديقتان وبستانان أنعم الله بهما على “سبإ” التي أعرضت عن ربها فكانت النتيجة: (فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط وأثل وشيء من سدر قليل) {سبأ: 16}.
وهو نفسه ما نفهمه من مدلول كلمة (الجنة) في قوله تعالى:
(ويا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة) {الأعراف: 19}، فآدم عليه السلام أسكنه الله تعالى حديقةً وارفة الظلال، كثيرة الأنهار والثمار، فيها كل ما يحتاج له من مقتضيات ولوازم الحياة الهانئة الرغيدة.
والله تعالى يُطَمئِن آدم عليه السلام بأنه سيَسكُن هذه الجنة الغنّاء، وسيكون فيها مطمئنًا، لا يخاف على نفسه وزوجه من الجوع أو العطش أو حرارة الشمس، أو العُرْي والتكشُّف، فالطعام بين يديه يأكل من كل الثمرات، ويقطف من كل الأشجار، إلا شجرةً نهاه الله عن الاقتراب منها:
(فكلا من حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين) {الأعراف: 19}.
والماء يجري أمامه في جداولَ وأنهار، يشرب فيرتوي دون أنْ يشعرَ بعطش أو ظمأ، وهو فوق هذا يستظل بظل أشجار هذه الحديقة المُلتفّة (الجنة)، فلا تصيبه حرارة الشمس وأشعتها الحارقة فيَضْحَى، أو يرهقه حرّ النهار، فالله تعالى قد هيّأ له ضماناتٍ حياتيةً مختلفة في هذه الجنة الأرضية، خاصّة أنه لا يزال مخلوقًا جديدًا في هذه الأرض، ولا يملك من الخبرات ما يُؤهّله للعيش فيها، والحصول على حاجاته الضرورية من طعام وشراب ولباس وظلال، وهو ما نجده في قوله تعالى: (إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى) {طه: 119}، وهي آيةٌ فيها ما يضمن لآدم وزوجه عليهما السلام الأمنَ الغذائي الذي يجلب لهما الأمن النفسي والسكينة الداخلية.
أما قوله تعالى: (ولا تعرى)، ففيه إشارة إلى اللباس الذي أنزله الله تعالى على آدم وزوجه في أوَّل خلقهما ليُوارِيَا سَوْءاتِهما، وهو في الوقت نفسه زينةٌ ورِيشٌ يُلبّي حاجة النفس للجَمال والشَّكل المُريح، يقول الله تعالى: (يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسًا يواري سوءاتكم وريشًا ولباس التقوى ذلك خير ذلك من آيات الله لعلهم يذكرون) {الأعراف: 26}.
فآدم عليه السلام في هذه الجنة لم يضطر لأنْ يزرع فيحصُد ويأكل، ولم يضطر لحفر الآبار لاستخراج المياه من الأرض، وهو عليه السلام لم يصنع الملابس التي تُواري سَوءاتِه وسَوءاتِ زوجه عليهما السلام، ولم يضطر لاتخاذ الأَسْقُف والعُرُش الصناعية لِتَقِيَه من حرّ الشمس وأشعتها، ولكنّ الله تعالى هيّأ له كلّ هذا، فهو لم يكن لديه من الخبرات ما يمكّنه من أنْ يبدأ الحياة في هذه الأرض من غير مساعدة وعَوْن من الله تعالى كما أسلفنا.
إنّ لفظة (الجنة) عند العرب وفي اللسان العربيّ تعني الحديقة والبستان، وما سُمّيَت جنةُ الخُلد التي في السماء بـ (الجنة) إلا ليتمكن البشر من فَهم وتصوّر ما أعدّ الله تعالى لعباده المتقين فيها، فهم يعرفون الجنة في الأرض، ويعرفون ما فيها من شجر وثمار وأنهار وظلال ونعيم ورزق، ولذا فإننا نجد كثيرًا من الآيات التي تصِف جنة الخلد تتحدث عن بعض ما في جنات الأرض، ومن هذا: (مثل الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى ولهم فيها من كل الثمرات ومغفرة من ربهم كمن هو خالد في النار وسُقوا ماء حميمًا فقطع أمعاءهم) {محمد: 15}.
كلّ هذا يُرجّح ويؤكّد وجود جنة آدم عليه السلام في الأرض لا في السماء، وهو ما يُقوّي الفرضية التي نفترضها بأنَّ جنة آدم عليه السلام كانت في جبل عرفات، وهو ما تدل عليه الأدلة كما سيتّضح لاحقًا.
👇🏻👇🏻👇🏻
يُتبَع إن شاء الله..
`دكتور/ نصر فحجان – غزة`
`من كتابه: (قضايا تفسيرية تحت الضوء).`
Tabrenkout موقع تابرنكوت الاخباري



