
————————-
يقول الله تعالى: (حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول ومن آمن وما آمن معه إلا قليل) {هود: 40}.
تُخبرنا الآية الكريمة بأنّ نوحًا عليه السلام قد تلَقَّى أمرًا من الله تعالى بأنْ يحملَ في سفينته من كلٍّ زوجين اثنين، وأهلَه، ومَن آمن معه، قبل أنْ يعلوَ الماء، ويعُمَّ الطوفان ويغمرَ كلَّ شيء، ويُغرقَ كل الكافرين الذين تَحَدًوْا ربهم، وعَصَوْا رسولهم طوال مُدة استمرت ألف سنة إلا خمسين عامًا.
– فما هذه الأزواج التي حملها نوح عليه السلام في سفينته؟
-ولماذا أمره الله تعالى بحملها معه في السفينة؟
في كثيرٍ من كتب التفسير يذهب المفسرون إلى القول بأنّ هذه الأزواج كانت من كلّ أنواع الحيوانات التي تدُب على الأرض، وأنّ كلمة زوجين تعني كل الذكور والإناث من هذه الحيوانات، الوحوش منها وغير الوحوش، والطيور، والزواحف، والحشرات، وغير ذلك، وهو قولٌ مأخوذٌ من الإسرائيليات وقِصَص القُصَّاص، ولا دليل عليه من القرآن الكريم، أو الحديث الصحيح، أو اللسان العربيّ المبين.
– فهل حمل نوح عليه السلام من كل هذه الأزواج معه في السفينة؟
– هل حمل من كل أنواع السِّباع، والأفيال، والخيول والحمير، والوحوش البرية؟
– هل حمل من كل أنواع العقارب، والحيّات، والفئران، والقنافذ، والتماسيح، والزواحف بأنواعها الكثيرة؟
– هل حمل من الطيور، والحشرات، وغير ذلك من الدواب والكائنات؟ وهل تتسع السفينة لكل هذه الأزواج على كثرتها واختلافها؟
– وماذا سيستفيد نوح عليه السلام من كل هذه الكائنات والأزواج المختلفة إنْ حَمَلها معه؟
ليس لدينا نصوصٌ من القرآن والسُّنة الصحيحة تدُلُّ على أنّ الله تعالى قد أمر نبيه نوحًا عليه السلام بأنْ يحمل معه من كل الأنواع والمخلوقات والكائنات الحيّة، ولكنه سبحانه قال له: (احمل فيها من كل زوجين اثنين) {هود: 40}، وهو ما سنُفصِّل فيه بإذن الله.
`فما المُراد بقوله تعالى: (من كلٍّ زوجين اثنين)؟`
يقول الله تعالى: (ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين قل ءالذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين نبئوني بعلم إن كنتم صادقين ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين قل ءالذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين) {الأنعام: 143-144}.
في الآيتين السابقتين حديث عن الأزواج التي هيّأها الله تعالى للإنسان في الأرض، وأنها ثمانية أزواج: (من الضَّأن اثنين، ومن المَعز اثنين، ومن الإبل اثنين، ومن البقر اثنين)، وقد كانت هذه الأزواج الثمانية من الأنعام معروفةً لنوح عليه السلام، فهي الأزواج التي يعتمد عليها الناس في حياتهم ومعاشهم، وهي التي أنزلها الله تعالى لآدم عليه السلام من قبل، لتكون عَوْنًا له في معاشه وحياته في بداية استخلافه في الأرض، وليست الوحوش والزواحف وحيوان البرّ والبحر، يقول الله تعالى: (خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج) {الزمر: 6}.
وهو ما تُوحي به الآية: (من كل زوجين اثنين) أنّ هذه الأزواج معروفة ومحدّدة، وأنّها ثمانية أزواج لا أكثر، والله تعالى يقول لنوح عليه السلام: (احمل فيها من كل زوجين اثنين) {هود: 40}، أيْ من هذه الأزواج التي تعرفها، فالتنوين في كلمة (كُلٍّ) هو تنوين العِوض الذي يفيد التعريف، فهو سيحمل معه (زوجين اثنين) من هذه الأزواج الثمانية لا من غيرها.
ولا مُسوِّغ لأحد أنْ يفهم من الآية غير هذا، فالله تعالى لم يأمر نوحًا عليه السلام بأنْ يحمل معه من السّباع، والوحوش، والحيّات، والعقارب، والفِيَلَة، والزواحف، والكائنات التي لا تلزم الناس في معاشهم، ولكنه سبحانه يأمره بأنْ يحمل من هذه الأزواج الثمانية من الأنعام التي أنزلها من السماء، والتي لا يستغني عنها البشر في حِلِّهم وترحالهم، فهم يعتمدون عليها في مختلف شئون حياتهم.
فما كان لنوح عليه السلام أنْ يترك المكان الذي فيه قومه، وينجو هو ومن معه من المؤمنين بهذه السفينة، ويترك الأنعام فلا يأخذ من جنسها معه من كلٍّ زوجين اثنين كما أمره الله تعالى، واللافت للنظر في الآية أنّ ذِكر هذه الأزواج الثمانية قد جاء قبل ذِكر أهل نوح ومن آمن معه: (حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول ومن آمن وما آمن معه إلا قليل) {هود: 40}، وهذا إنْ دلّ على شيء فإنما يدل على مدى أهميتها للبشر، ومدى ارتباط حياتهم بها، وأنّ الله تعالى يريد لنوح عليه السلام أنْ يَضمَن للمؤمنين معه المقوِّمات الحياتية التي أودعها الله في الأنعام، وخاصة عند الانتقال إلى الأرض الجديدة التي ستستوي عليها سفينتهم بعد النجاة، فمن الأنعام سيصنعون بيوتَهم الخفيفة المتنقلة، وسيتّخذون من أصوافها وأوبارها وأشعارها ملابس يلبسونها، وأثاثًا ينتفعون به في حياتهم، وفي هذا يقول الله تعالى: (والله جعل لكم من بيوتكم سكنًا وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتًا تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم ومن أصوافها وأشعارها أثاثًا ومتاعًا إلى حين) {النحل: 80}، فالناس في حاجة دائمة للأنعام، ولا يمكنهم الاستغناء عنها، وهو ما صرّحت به الآية: (وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودم لبنًا خالصًا سائغًا للشاربين) {النحل: 66}.
وبعد هذا التفصيل نقول: إنّ نوحًا عليه السلام حمل معه في السفينة ثمانية أزواج: زوجين من الضَّأن ذكرًا وأنثى، وزوجين من المَعز ذكرًا وأنثى، وزوجين من الإبل ذكرًا وأنثى، وزوجين من البقر ذكرًا وأنثى، وهي الأنعام التي أنزلها الله تعالى للناس من السماء إلى الأرض كما في قوله تعالى: (خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج) {الزمر: 6}، فعليها يعتمد الناس في معاشهم، ومنها يكون التقرّب إلى الله تعالى في نحر الهَدْي والأضاحي والنذور، لا من غيرها.
وليس من المعقول أنْ يحمل نوح عليه السلام في سفينته ما لا يلزم المؤمنين في معاشهم، فضلاً عن أنّ سفينته مهما كان حجمُها فإنها لا تتَّسِع لحمل زوجين اثنين من كل أصناف وأنواع الحيوانات والأزواج في الأرض.
دكتور/ نصر فحجان – غزة
من كتابه: (قضايا تفسيرية تحت الضوء).
Tabrenkout موقع تابرنكوت الاخباري



