

- بين الإبل والبقر.. ورقة تسوية
لا يخلو فضاء التواصل الاجتماعي الموريتاني من جدل موسمي، يثيره “الفسابكة” بالحق أو بالباطل، ويذكونه بموجب الورود الموضوعي، أو بمزاجية الافتعال المقحم، ومن ذلك جدلية المفاضلة بين صنفي الأنعام العظيمين: الإبل والبقر.
ومساهمة مني في “احتواء الموقف”، قررت أن أدلي بدلوي في الموضوع من زاوية التوفيق الإنصافي والمقارنة التفريقية، انطلاقا من استدلال الفريقين بالآيتين الكريمتين: ﴿قال إنه يقول إنها بقرة صفراء فاقع لونها تسر الناظرين﴾ (البقرة- 69) و﴿أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت﴾! (الغاشية- 17).
تحرير الاستدلال
فأما الوصف الاستحساني: {بقرة صفراء فاقع لونها تسر الناظرين}، فإنه خصوص يتناول بقرة بعينها، ويستأنس به في حق ذوات جلدها، إذا شاركنها مواصفات كمال البدن واعتدال الحال وجاذبية اللون، ولو أن قوم موسى تركوا اللجاجة وذبحوا أول بقرة يصادفونها لأطاعوا وربحوا الوقت!
وأما دعوة التأمل: {أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت}، فإن وراءها عموما يستغرق الجنس، فليس خاصا بناقة الله التي آتاها ثمود وجعلها لهم آية فظلموا بها، كما تنطع بنو إسرائيل في شأن البقرة لجاجة وعنادا، وهذا العموم المستغرق في شأن الإبل، يقابل الخصوص المنعزل في قصة البقرة المذكورة في القرآن.
وخارج ثنائية ناقة ثمود المعجزة وبقرة بني إسرائيل الاستثنائية، فإن المقارنة بين جنسي الأنعام (الإبل والبقر) لا تقتضي المفاضلة بالضرورة، على أن “النظر إلى كيفية الخلق” مشعر بالإعجاز الواعظ، الذي ينسحب على الجنس بعموم أفراده، و”سرور الناظرين” مؤذن بالجمال الباهر المقيد بخصوص الحالة المحددة؛ فانتفى وجه الاستدلال على المفاضلة الجمالية بين الصنفين، ولم يبقَ إلا معايير الموضوعية، التي يقتضي إجراؤها استحضار النسبية المبدئية والفوارق الخصوصية.
ولعل الحل الأوسط هو الاحتكام إلى مسابقتين منفصلتين لاختيار “ملكة جمال” من الجنسين، تعجب الرائين وتسر الناظرين، بعد تشكيل لجنة تحكيم مستقلة!
صفر البقر وحمر النعم.. سؤال اللون!
بعد هذا التأطير التمهيدي المتعلق بخصوص جمالية البقرة المذكورة في القرآن، وعموم آية خلق الإبل المنصوص عليها في الذكر الحكيم، أنتقل إلى ثنائية مرتبطة بجاذبية اللون التي يرمز فيها الأصفر الفاقع للحظوة على مستوى البقر، ويمثل فيها الأحمر علامة التفضيل في عالم الإبل، فمبلغ الثناء اللوني في حق الناقة أن تكون من حمر النعم!
وليس كل بقرة صفراء فاقعا لونها؛ حتى تسر الناظرين.. ثم إن جمالية تلك البقرة “الذهبية” (الواردة في السورة) لم تقف عند حد اللون. فإذا استكملت بقرة ما تلك الصفات المميزة؛ فكانت بقرة مثالية: لا فارضا ولا بكرا، عوانا بين ذلك، صفراء فاقعا لونها، تثير الأرض، ولا تسقي الحرث، مسلمة، لا شية فيها، كبقرة بني إسرائيل.. فقد استوفت مقومات الإعجاب والسرور، واستحقت أن تتوج ملكة جمال البقر. لكن هذا يبقى تميزا وسبقا تبذ به تلك البقرة المعينة بنات جنسها من ذوات القرون، ولا يعني تفضيل جنس البقر على صنف الإبل.
فإن قيل: ما ميزان التفوق والتفضيل بينهما؟! قلت: لا يفتي في ذلك من كان أحادي المعاينة والمشاهدة، فإن من عرف البقر وعايشه، ولم يألف رؤية الإبل، من شأنه أن يستوحش الأخيرة غير ملوم، ومن ألف الإبل قبل أن يعرف البقر من عادته أن يحس بفارق الانتقال من الخف المرن إلى الظلف الخشن، ومن “الرغاء” الدافئ إلى “الخوار” الصاخ، ويوشك -عند المقارنة- أن يتغير إحساسه الحكمي ويتبدل شعوره النفسي؛ لما يجد من الاختلاف البين!
موضوعية الترجيح ومزاجية التصنيف.. سواء المخرج
للخروج بأقل الخسائر الخلافية يمكن أن نسجل النقاط التالية:
- الإبل متقدمة على البقر في الذكر بين دفتي المصحف.
- ذكاة الإبل النحر، وأطيب لحمها الغض الفتي، وذكاة البقر الذبح، وألذ لحمه العجل الحنيذ!
- ناقة صالح وبقرة بني إسرائيل مثال أعلى للتفرد والتميز، ومثل حي للسقوط الإنساني والعناد البشري في معركة الامتثال والانقياد؛ فأما بنو إسرائيل (قوم موسى) فإنهم ذبحوا البقرة، وما كادوا يفعلون، وأما ثمود (قوم صالح) فقد عقروا الناقة وعتوا عن أمر ربهم.. وما سوى تلك البقرة والناقة -الفريدتين- أفراد من قطيع له مميزاته البدنية، ومواصفاته الجمالية، وأنماطه السلوكية التي تختلف باختلاف طبيعة الجنسين!
- الإبل كائنات بدوية بالفطرة، والبقر مدني بطبعه!
- ديوان العرب ممتلئ بشعر الإبل خاصة؛ لأنها سفينة العربي في صحرائه الأولى!
- لا فضل للبن البقر على لبن الإبل إلا في حالة إعداد المذق “الزريق”؛ فيقدم لبن البقر اتفاقا، وإلا بقي الخلاف على أصله!
- حليب الإبل له رغوة أثيرة، ولبن البقر له زبدة حظية!
- يستطيع المرء أن يمدح الإبل دون أن يذم البقر، فإذا ثار “الأدرينالين” في دمه حمية للإبل، فليستغفر الله، وليحمده على ما رزق عباده من بهيمة الأنعام!
أكتب ما تقرؤون، وأستغفر الله الذي خلق الأنعام، وجعل لنا فيها جمالا حين نريح وحين نسرح.
Tabrenkout موقع تابرنكوت الاخباري



