
—————————
يقول الله تعالى: (وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على الجودي وقيل بُعدًا للقوم الظالمين) {هود: 44}.
في الآية الكريمة إيذانٌ بانقضاء أمر الله تعالى بإغراق القوم الظالمين، وإنجاء نوح عليه السلام، ومَن معَه من المؤمنين، واستواء سفينتهم على الجُوديّ.
`- فأين استوت سفينة نوح عليه السلام؟`
`- وما المُراد بالجُوديّ؟`
في معظم كتب التفسير نجد أنّ المفسرين يتفقون على أنّ (الجُوديّ) جبلٌ قد استوت عليه سفينة نوح عليه السلام، ولكنهم يختلفون في تحديد مكان الجُوديّ على أقوال مختلفة، ومن هذه الأقوال:
`1.` الجُوديّ: جبلٌ بالمَوصِل في أرض العراق.
`2.` الجُوديّ: جبلُ (أَرَارات) بين تركيا وأرمينيا.
`3.` الجُوديّ: جبلُ (باقردي) في أرض الجزيرة العربية.
`4.` الجُوديّ: جبلٌ في الهند.
`5.` الجُوديّ: جبلٌ في الشام، أو جبلٌ في اليمن، وأقوالٌ أخرى مختلفة…
وكلّ هذه الأقوال لا تعدو أنْ تكون أقوالَ بشرٍ لا تستند إلى دليل من القرآن الكريم، أو من السُّنة الصحيحة، ولا تعتمد على قرائنَ تصلُح للاستئناس بها.
وإذا أردنا أنْ نعرف مكان استواء السفينة، وفَهْم المُراد بالجُوديّ الذي هبط عليه نوح عليه السلام بسفينته، فلا بدّ من الرجوع إلى الآيات التي تناولت الحديث عن نوح عليه السلام في القرآن الكريم، فالقرآن نفسه يعطينا إضاءاتٍ وإشاراتٍ تُعيننا على فهم ما استعصى علينا فهمُه في بعض الآيات، وتفتح لنا أبوابًا من العلم الذي يكشف لنا كثيرًا مما كان غامضًا علينا.
في سورة (المؤمنون) يبين لنا الله تعالى بشكل لا يقبل الردّ، ولا يصحّ معه الاجتهاد، أنّ المكان الذي استوت فيه سفينة نوح عليه السلام كان مكانًا ومُنزلًا مُباركًا، وأنه عليه السلام لم ينزل بأرض عادية ككل الأرض، بل نزل بأرض مباركة، ومكان مبارك، يقول الله تعالى مخاطبًا نوحًا عليه السلام: (وقل رب أنزلني منزلًا مباركًا وأنت خير المُنزلين) {المؤمنون: 29}، فالمُنزَل الذي نزل به نوح عليه السلام مُنزَلٌ مبارك، بأرض مباركة.
وعند رجوعنا إلى القرآن الكريم للبحث عن هذا المُنزَل المُبارك، فإننا يمكننا الوقوف عند مكانين مباركين لا ثالث لهما، تتحدث آيات القرآن عن بركتهما، وأنهما مباركان من الله تعالى، وهما:
`المكان الأول:`
البيت الحرام في مكّة:
فالبيت الحرام بيتٌ مبارك، وهو هدًى للعالمين، كما في قول الله تعالى: (إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركًا وهدًى للعالمين) {آل عمران: 96}، ولكننا لا نظنّ أنّ يكون هذا البيت الحرام هو المُنزَل المبارك المقصود في دعاء نوح عليه السلام في قوله تعالى: (وقل رب أنزلني منزلًا مباركًا وأنت خير المنزلين) {المؤمنون: 29}، فبيت الله الحرام يقع في المنطقة التي كان يُقيم فيها نوح عليه السلام، وهو مُنطَلَق رسالته، ومنه كانت بدايةُ الطوفان كما اتَّضح لنا سابقًا، ولا يَصلُح أنْ يكون هو المُنزَل المبارَك الذي دعا نوحٌ عليه السلام ربه أنْ يُنزِله فيه، وتستوي عليه سفينته بسلام.
`المكان الثاني:`
الأرض المباركة فلسطين (بيت المقدس وما حوله):
`وقد وردت عدة آيات تذكر فلسطين بأنها أرض مباركة، ومنها:`
`1.` يقول الله تعالى: (سبحان الذي أسرى بعبده ليلًا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير) {الإسراء: 1}، ومعلوم أنّ المسجد الأقصى في بيت المقدس (القدس) بفلسطين، فهي أرض مباركة، ومُنزَلٌ مبارك.
`2.` يقول الله تعالى: (ونجيناه ولوطًا إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين) {الأنبياء: 71}، ومعلوم أنّ الأرض المباركة المذكورة في الآية هي أرض فلسطين، حيثُ إنّ إبراهيم عليه السلام قد هاجر إلى فلسطين واستقرّ في منطقة الخليل بها، ولا يزال الحرم الإبراهيمي شاهدًا على وجوده عليه السلام، وأنّ لوطًا عليه السلام قد هاجر إلى فلسطين أيضًا، وأنه كان في منطقة (سَدُوم) بأريحا، وقصته مع قومه معروفة.
`3.` يقول الله تعالى: (وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرًى ظاهرة وقدرنا فيها فيها السير سيروا فيها ليالي وأيامًا آمنين) {سبأ: 18}، والآية تتحدث عن قوم سبإ الذين يسَّر الله لهم الطريق بينهم وبين الأرض المباركة فلسطين، فجعل على طريقهم قُرًى وتجمُّعات سكانية تجعل السفر إلى فلسطين سهلًا، فلم يكونوا في سفرهم بحاجة لحمل الزاد الكثير، فما يبرحون قرية إلا ويصلون إلى أخرى.
👇👇👇
يُتبَع إن شاء الله..
`دكتور/ نصر فحجان – غزة`
`من كتابه: (قضايا تفسيرية تحت الضوء).`
Tabrenkout موقع تابرنكوت الاخباري



