أخبار عاجلة
الرئيسية / الرئيسية الاخبار / فطفق مسحًا بالسوق والأعناق)`

فطفق مسحًا بالسوق والأعناق)`

الجزء الثاني (2)

وإنّ ما يدعو للاستغراب أكثر هو ما يقوله بعض المفسرين في تفسير قوله تعالى: (رُدوها عليّ فطفق مسحًا بالسوق والأعناق) {ص: 33}: أنّ سليمان عليه السلام قد عاقَب الخيولَ بقَتلها بعدما عُرِضَت عليه، فقال: رُدّوها عليّ، فقَتلَها وقطَّع سُوقَها وأعناقَها، لأنها قد ألْهَتْه عن ذِكْر ربه، وأنسَتْه صلاة العصر كما يزعمون.

ولنفترضْ أنّ سليمان عليه السلام قد نسِي صلاة العصر، وأنّ الخيل قد ألْهَتْه عن ذِكْر ربه، فما ذنبُ الخيل ليقوم سليمان عليه السلام بتقطيع سوقِها وأعناقها؟

وهل التحلُّل من الذنب يكون في قتل الخيل؟ أم في محاسبة النفس والاستغفار والتوبة إلى الله تعالى؟ هل هذا ظنُّنَا بالنبي سليمان عليه السلام؟ وهو النبي الذي امتدَحه الله تعالى، وأثنى عليه، ووصَفَه بأنّه أوَّاب كما في الآية: (ووهبنا لداود سليمان نعم العبد إنه أواب) {ص: .3}.

وهل يُتَصَوَّر من نبيٍّ كريم أنْ يقوم بقَطع سُوق وأعناق الخيل التي أقسم الله تعالى بها، وامتدَحها بذِكرها وذِكر خيرِها في سورة العاديات: (والعاديات ضبحًا (1) فالموريات قدحًا (2) فالمغيرات صبحًا) {العاديات: 1-3}، وهي التي قال عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الخَيل معقودٌ في نواصيها الخيرُ إلى يوم القيامة). 

مَعاذَ الله أنْ نفتري على نبي الله سليمان عليه السلام الكذب، بل نُبرِئُه مما يَفتري عليه المُفتَرون، فالآية ليس فيها ما يذهبون إليه من إيذاء له باتهامه عليه السلام بأنه قتل الخيل، بل إنّ فيها ما يدُلّ على رحمته عليه السلام بالخيل، فكلمة (المَسْح) تعني تمرير اليد على الشيء، وهو ما جاء في المعجم الوسيط: (مَسَح الشيء، أيْ أمَرَّ يده عليه لإذهاب ما عليه من أثر أو غيره)، وفي القرآن الكريم استُعمل هذا الفعل بنفس هذا المعنى، كما في قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين) {المائدة: 6}، ومعلومٌ أنّ المُراد بمَسح الرؤوس في الآية هو تمرير اليد عليها بالماء، لا قطعُها.

وليس في الآية: (ردوها علي فطفق مسحًا بالسوق والأعناق) {ص: 33}، أيّ مُسَوِّغ، أو قرينة تجعلنا نفهم أنّ كلمة (مسحًا) هنا تعني القتل وتقطيع السُّوق والأعناق.

لقد حاول اليهود ولا يزالون تشويه صورة نبي الله سليمان عليه السلام بكل صورة، فتارة يتهمونه بأنه قطّع سُوق وأعناق الخيل، وتارة يتهمونه بأنه يمارس السِّحر، وكان أكبر اتهاماتهم له أنهم اتهموه بالكفر، ولكنّ الله تعالى برَّأه فقال: (وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا) {البقرة: 102}.

👇👇👇

`دكتور/ نصر فحجان – غزة`

`من كتابه: (قضايا تفسيرية تحت الضوء).`

صدقة جارية