
الجزء الأول (1)
يقول الله تعالى: (إذ عرض عليه بالعشي الصافنات الجياد (31) فقال إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي حتى توارت بالحجاب (32) ردوها علي فطفق مسحًا بالسوق والأعناق) {ص: 31-33}.
تتحدث الآيات عن حضور سليمان عليه السلام لعَرضٍ عسكري لبعض أركان جيشه، حيث الخيول الصّافنات الجِياد، ليطمئن على تدريبها، وقدراتها، واستعدادها، وفنون القتال عندها، فجاء جنوده بالخيول: (إذ عرض عليه بالعشي الصافنات الجياد) {ص: 31}، يَعرضون عليه حركات خيوله وقدراتها العالية، فهي (الصافنات) إذا نامت أو استراحت، فلا تنام ولا تستريح إلا وهي واقفة، ترفع أحد قوائمها وتتكئ بحافره على الأرض، وهي (الجياد) تُقدّم أفضل ما عندها من العَدْو والإقدام، فكيف بها اليوم ونبيُّ الله سليمان عليه السلام يتفقدها بنفسه، ويرى عَدْوَها، ويسمع ضَبْحَها.
وقد اختار سليمان عليه السلام لهذا العَرْض وقت (العَشِيّ)، وهو ساعات النهار الأخيرة، حيث تكون الشمس قد ضعفت، وانكسرت حرارتها وأشعتها وقوتها، لئلا تتأثر الخيول بشدة الحرّ، ولتكون رؤية فقرات العرض أوضح.
وبدأ العَرض، وبذلتْ خيول سليمان عليه السلام من الجهد ما أرضاه عنها، وقدّمتْ من الفنون ما أعجَبَه، وظلتْ تعدو وتعدو إلى أنْ توارتْ بالحجاب، وغابت عن الأنظار بسبب ابتعادها وما يحجُبها من الغبار الذي تثيره وراءها.
عندئذ عبَّر سليمان عليه السلام لمَن حوله عن سعادته بهذه الخيول المُدرَّبة، وهذا العَرض الجميل، وعبر عن حُبِّه الكبير لهذا الخير الذي يراه، سواء في الخيول نفسها، أو فيما رأى عندها من الفنون القتالية التي يطمئن لها القلب، وتنشرح لها النفس، فقال: (فقال إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي) {ص: 32}، فكل مشاعره ترتبط بذكره لربه، وتأتي نتيجةً لأخذه بأوامر ربه، ولذا فهو قد أمر جنوده بأنْ يردُّوا خيوله عليه، فقال: (ردوها عليّ)، وذلك ليكافئها، ويشجعها، ويعبِّر عن رضاه عنها، وحبِّه لها، وهو قوله تعالى: (فطفق مسحًا بالسوق والأعناق) {ص: 33}، أيْ أخذ عليه السلام يمسح على سُوقِها وأعناقها بيده، إشعارًا منه بحبِّه لها، ورضاه عنها، وعن أدائها، وهذه عادةُ كل مَن يعرف أطباع الخيول ويقوم بتربيتها وتدريبها وترويضها.
وأستغرب لما يقوله بعض المفسرين في تفسير قوله تعالى: (فقال إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي) {ص: 32}، حيث يقولون: إنّ سليمان عليه السلام قد ألْهَتْه الخيول عن ذِكْر ربه، وأنه نَسِي صلاة العصر! فمن أين جاءوا بهذا؟ فليس في الآية ما يفيد ما ذهبوا إليه، وليس في الآية ما يدل على الإلهاء لسليمان عليه السلام عن ذِكْر ربه، بل إنّ في الآية ما يفيد أنّ سليمان عليه السلام كان كثيرَ الذِّكر لربه.
ويكفينا أنْ نقف هنا عند الحرف: (عن) في قوله تعالى: (عن ذكر ربي)، والذي يفيد السببية، لنعلم أنّ المُراد بالآية أنّ سليمان عليه السلام قد عبّر عن حبِّه للخير الذي كان بسبب ذِكْرِه لربه، وناتجًا عن ذِكْرِه لربه، فكأنّه يقول: إنّ ربي هو الذي رزقني حبّ الخيل _ والتي هي الخير كما في سياق الآية_، وهو الذي أمرني بحبها.
ويمكننا فهم مدلول الحرف: (عن) وما يشير إليه من السببية عند تدبرنا لبعض الآيات التي تمّ فيها استعمال الحرف (عن)، مثل:
1. قول الله تعالى: (وما ينطق عن الهوى) {النجم: 3}، أيْ: إنّ القرآن الذي يتلوه عليكم نبيّ الله محمد صلى الله عليه وسلم ليس صادرًا عن الهوى، أو بسبب الهوى، فهو لا ينطق به من عند نفسه بدافع الهوى، بل بوحيٍ من الله تعالى، فالحرف (عن) في الآية يعني: التعليل والسببية.
2. قول الله تعالى: (فإن أرادا فصالًا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما) {البقرة: 233}، فالفِصال في الآية جاء نتيجةً لما بين الزوجين من التراضي والتشاور، فحرف (عن) جاء في سياقٍ يدل على السببية وتعليل الفعل.
3. قول الله تعالى: (قالوا يا هود ما جئتنا ببينة وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك وما نحن لك بمؤمنين) {هود: 53}، فالتعبير: (عن قولك) يدُلّ على أنّ عدم تَرْك الكفار من قوم هود لآلهتهم كان لأنهم لا يريدون أنْ يكون هذا التَّرك بسبب قول هود عليه السلام وطلبه منهم، وأنّ الحرف (عن) هنا يعني: بسبب.
وكما في قولنا:
- (أنا أتكلم معك عن علمٍ ومعرفة)، أيْ بسبب ما عندي من علمٍ ومعرفة.
- (أنا أتكلم معك عن تجربة)، أيْ بسبب ما عندي من تجربة.
- (أنا أتكلم معك عن حبٍّ واحترام)، أيْ بسبب ما عندي من حبٍّ واحترام لك.
وممّا سبق يتبيّن أنّ الحرف (عن) في قوله تعالى (عن ذكر ربي)، جاء بمعنى التعليل والسببية، وأنّ سليمان عليه السلام لم تُلْهِهِ الخيول عن ذِكر ربّه، بل إنّ حُبَّه للخير كان ناتجًا عن ذِكره الكثير لربّه.
👇👇👇
يتبع إن شاء الله..
دكتور/ نصر فحجان - غزةمن كتابه: (قضايا تفسيرية تحت الضوء).
Tabrenkout موقع تابرنكوت الاخباري



