أخبار عاجلة
الرئيسية / الرئيسية الاخبار / (فمُستَقَرٌّ ومُستَودَع)`

(فمُستَقَرٌّ ومُستَودَع)`

يقول الله تعالى: (وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة فمستقر ومستودع قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون) {الأنعام: 98}.

هذه الآية من الآيات التي وقف المفسرون والعلماء عند تفسيرها كثيرًا، وخاصة قوله تعالى: (فمستقر ومستودع)، وذلك لرحابة واتساع المعاني التي تحملها وتشير إليها اعتمادًا على الدلالات اللغوية:

-مستقر: من الفعل الماضي ( قَرّ)، أيْ ثَبَت وسكَن وتمكّن واستقر.
-مستودع: من الفعل (وَدَع)، أيْ ترك، ونقول: أودَع الرجل أمانة عند جاره، أيْ ترك أمانة عند جاره، ومعلوم أنّ المستودَع الذي تُركت عنده الأمانة لا يحق له ولا يستطيع التصرف في الأمانة (الوديعة).

وقد جمع الماوردي في تفسيره (النُكَت والعيون) أشهر التأويلات والأقوال التفسيرية لهذه الآية الكريمة على النحو التالي:

1. فمستقر في الأرض ومستودع في الأصلاب، قاله ابن عباس.

2. فمستقر في الرحم ومستودع في القبر، قاله ابن مسعود.

3. فمستقر في أرحام النساء ومستودع في أصلاب الرجال، قاله عطاء، وقتادة.

4. فمستقر في الدنيا ومستودع في الآخرة، قاله مجاهد.

5. فمستقر في الأرض ومستودع في القبر، قاله الحسن.

6. المستقر ما خُلِق، والمستودع ما لم يُخلَق، وهو مروي عن ابن عباس أيضًا.

يقول الأستاذ محمد رشيد رضا في تفسيره (المنار): ” وآخر ما خطر لي بعد تلخيص أقوال المفسرين أنّ المستقر هو الروح، والمستودع هو البدن، والجُملة مما يتسع المجال فيه للتفسير”.

واختلاف التأويلات عند العلماء القدماء والمُحدَثين يشير إلى أنّ الآية قد أَشكَلت على المفسرين فتعدّدت فيها التأويلات ولم تتوقف، وهو ما يفتح الباب واسعًا للتدبر فيها من جديد، والاستفادة من كل علم، أو اكتشاف يفيدنا في الوقوف على مُراد الله تعالى فيها.

والملاحظ أنّ قوله تعالى: (فمستقر ومستودع) قد جاء تعقيبًا مباشرًا وسريعًا على قوله تعالى: (وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة) {الأنعام: 98}، وأنّه متفرِّعٌ عن الإنشاء، فبعد الإنشاء مباشرة كان الاستقرار والاستيداع، حيث تم استعمال حرف العطف (الفاء) الذي يفيد التعقيب والترتيب والتفرّع.

وقد لفت انتباهي ما يقوله علماء الوراثة عند حديثهم عن الصفات الوراثية السائدة والمتنحية، وأنه يمكننا اعتبار الصفات السائدة صفات (مستقرة)، والصفات المتنحية صفات (مستودَعة)، وهو ما يساعد في تدبّر وفهم قول الله تعالى: (وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة فمستقر ومستودع قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون) {الأنعام: 98}، بشكل علمي ومقنع.

يقول الدكتور عماد محمد بابكر حسن: (ونحن نظنّ أنّ السّر الذي تحويه هذه الآية هو سرّ علم الجينات أو “الوراثة”، فقد أصبح ثابتًا ومتفقًا عليه بين جميع علماء الأحياء فيما يعرف بقانون “مندل” أنّ الصفات الوراثية التي تحملها الأمشاج تنقسم إلى نوعين:

1. الصفات المستقرة “السَّائدة”: وهي التي تستقر في تكوين المخلوق من إنسان أو حيوان أو نبات، وتُحدد أيًّا من صفات الوراثة تظهر فيه من لون وشكل وحجم وطبائع وغيرها، فكل إنسان له صفات ظاهرة يراها كل الناس، ولكنّه يحمل في نطفته صفاتٍ مستودعةً لم تظهر فيه، كأنْ تكون مثلًا عيون أحد الزوجين سوداء من جينات “مستقرة” تمكنّت في خلقه، واستقرّت في تكوينه، ولكنّه يحمل صفاتٍ وراثيةً لعيون خضراء حملها عبر الأجداد من جَدِّه العاشر، ولا تظهر إلا فجأة.

2. الصفات المستودعة “المُتنحِّيَة”: وهي الصفات التي تنتقل من جيل إلى آخر، من غير أنْ تظهر في تركيبه، أيْ كأنَّه يحملها وديعة لا يتصرف بها، إلى أنْ تأتي ظروف مختلفة، كأنْ تلتقي صفة مستودعة عند الأب مطابقة لصفة مستودعة عند الأم، فيؤدي ذلك إلى أنْ تستقر هذه الصفة المستودعة أو المتنحية في المولود، فيولد بعيون خضراء مثلًا، رغم أنّ أبويه عيونهما سوداء، ولكنهما حَمَلا هذه الوديعة أو (الصفة المستودعة) إلى أنْ استقرت حيث أراد الله لها أنْ تستقر في مولودهم.

إنّ هذا التفسير لا يتعارض مع التفسيرات التي قال بها المفسرون، لكنّه في ذات الوقت يفتح لنا أبوابًا جديدة للتدبُّر، ويعطينا أفكارًا علمية يمكن البناء عليها ونحن نقرأ قوله تعالى: (قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون) {الأنعام: 98}.

👇👇👇
دكتور/ نصر فحجان - غزة
من كتابه: (قضايا تفسيرية تحت الضوء).

https://t.me/nasrfahjan
https://t.me/TafseerNasrFahjan
https://chat.whatsapp.com/Gu5tDp4VttLEp0Ljo3jZ6d?mode=wwt
https://chat.whatsapp.com/L22gbySLfsuEyhYQ0pSbm0?mode=ac_t
https://youtube.com/channel/UCeHlI0rUua2KuZ_r9Q_bQkw?si=wrujN79U-DWfByTC

صدقة جارية