الجزء الأول (1)

يقول الله تعالى: (قيل لها ادخلي الصرح فلما رأته حسبته لجة وكشفت عن ساقيها قال إنه صرح ممرد من قوارير قالت رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين) {النمل: 44}.
– ما الذي جعل ملكةَ سبإ تعلن إسلامها بعد دخول الصّرح؟
– ماذا حدث معها في الصّرْح؟
– ماذا رأت في الصّرْح؟
– ما هو الصّرْح؟
الصَّرْح: من الفعل (صَرَح) وهو بمعنى: (الكشف والإبانة والظهور) نقول: صَرَح الشيء إذا صَفَا، وخلُص، وبَدَا، وظهَر، وبَان، ولا بُدَّ أنْ يكون من وظائف الصّرْح الإبانة والكشف والإظهار.
جاء في تفسير “النُّكَت والعيون” للماوَردي: (قال زهير: الصَّرح مأخوذٌ من التصريح، ومنه: صرَّح بالأمر إذا أظهره).
وليس صحيحًا ما يقوله البعض بأنّ الصّرْح معناه القَصْر، فأغلب الظنّ أنّ ملكة سبإ كانت موجودة في قصر سليمان عليه السلام عندما أراها عرشَها قبل أنْ يصحبَها إلى الصّرح، فالقصر شيء، والصّرح شيء آخر، ولا يصِحُّ أنْ نقول: إنهما شيءٌ واحد، ومعنًى واحد.
وقد استعمل القرآن الكريم كلمة (قَصْر) عندما كان السياق يلزمه استعمالها، كما في قوله تعالى: (وبئر معطلة وقصر مشيد) {الحج: 45}، فلا يمكن أنْ تحُل مفردةٌ مكان مفردةٍ في القرآن الكريم.
وسليمان عليه السلام نبيٌّ كريمٌ صاحبُ هدفٍ ورسالة، وليس المُراد من جولته مع ملكة سبإ، أنْ يَعرض عليها ما يَملك، أو أنْ يُثبت لها أنه مَلِك قويّ، ولكنه يدعو إلى الله تعالى في كل خطواته وتحركاته، ولذا فقد اصطحبها عليه السلام إلى الصَّرح، ليُرِيَها فيه ما يجعلها تؤمن بالله تعالى عن قناعة وعِلم، فيكون إيمانها سببًا في إيمان كل قومها.
وواضح أنَّ الصّرح الذي أراد سليمان عليه السلام لملكة سبإ أنْ تدخلَه كان مصنوعًا من الزجاج المصقول والمُمَرَّد، لدرجة أنها لم تعرف أنه زجاج، وظنّت أنها أمام لُجّة من الماء المتحرك، فكشفت عن ساقيها لتتمكن من الدخول، لكنّ سليمان عليه السلام سرعان ما انتبه إلى حَيرَة المرأة، فقال: إنّه صَرْح مُمَرَّد من قوارير (زجاج)، ودخلت الصّرح بسلام.
`ويبدو لي أنّ دخول ملكة سبإ الصَّرْحَ كان ليلًا، وذلك لما يلي:`
`1.` يقول الله تعالى: (فلما رأته حسبته لجة وكشفت عن ساقيها) {النمل: 44}، فإنّ الذي جعلها تحسب الصّرْح لُجّة أنّها رأت فيه نجومًا تلمع وتتحرك، وهو نفس ما يُرى على وجه الماء ليلًا إذا كانت السماء صافية.
`2.` لو كان دخول ملكة سبإ للصَّرْح نهارًا لكان في إمكانها معرفة إنْ كان الذي رأته زجاجًا، أم لُجًة ماء، ففي النهار لن ترى لمعان النجوم وتحركها، وسيكون بإمكانها معرفة الزجاج وتمييزه.
`3.` إنّ من عوامل نجاح زيارة ملكة سبإ للصَّرْح أنْ تكون هذه الزيارة ليلًا، حيث سترى أمورًا خَطَّط لها سليمان عليه السلام، من شأنها أنْ تكون سببًا في إيمانها وإسلامها كما سنرى.
وعندما دخلت ملكة سبإ الصّرْح رأتْ أمورًا وأشياء جعلتها تُعلن إسلامَها بقوة، وعن قناعة راسخة، وتُعلن أنها كانت تظلم نفسها بكفرها، يقول الله تعالى: (قالت رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين) {النمل: 44}.
وفي كلامها نجد ثقافةً جديدةً ملأتْ عقلَها وقلبَها، فصارت تستعمل كلماتٍ تدلّ على الإيمان والتوحيد، مثل: كلمة (رب) التي تدلّ على الدعاء والتوجّه إلى الله تعالى الذي آمنت به بعد دخولها الصّرح، وقولها: (ربِّ إني ظلمت نفسي) الذي يُوحي بالتوبة والاعتراف بالذنب، وقولها: (وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين) وفيه إعلان للاستسلام لله تعالى، الذي هو ربّ العالمين كما تبيّن لها بعد دخولها الصَّرْح.
فماذا رأتْ ملكة سبإ في هذا الصَّرْح؟
وما هذا التحوّل الذي طرأ على عقيدة ملكة سبإ بعد دخولها الصَّرْح؟
👇👇👇
يُتبع إن شاء الله..
`دكتور/ نصر فحجان – غزة`
`من كتابه: (قضايا تفسيرية تحت الضوء).`
Tabrenkout موقع تابرنكوت الاخباري



