أخبار عاجلة
الرئيسية / الرئيسية الاخبار / ماذا رأت ملكة سبإ في الصرح؟

ماذا رأت ملكة سبإ في الصرح؟

الجزء الثاني (2)

  وعندما دخلت ملكة سبإ الصّرْح رأتْ أمورًا وأشياء جعلتها تُعلن إسلامَها بقوة، وعن قناعة راسخة، وتُعلن أنها كانت تظلم نفسها بكفرها، يقول الله تعالى: (قالت رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين) {النمل: 44}.      

      وفي كلامها نجد ثقافةً جديدةً ملأتْ عقلَها وقلبَها، فصارت تستعمل كلماتٍ تدلّ على الإيمان والتوحيد، مثل: كلمة (رب) التي تدلّ على الدعاء والتوجّه إلى الله تعالى الذي آمنت به بعد دخولها الصّرح، وقولها: (ﳪ ﳫ ﳬ) الذي يُوحي بالتوبة والاعتراف بالذنب، وقولها: (وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين) وفيه إعلان للاستسلام لله تعالى، الذي هو ربّ العالمين كما تبيّن لها بعد دخولها الصَّرْح.

فماذا رأتْ ملكة سبإ في هذا الصَّرْح؟

وما هذا التحوّل الذي طرأ على عقيدة ملكة سبإ بعد دخولها الصَّرْح؟

      من المعلوم أنّ ملكة سبإ كانت وقومُها يسجدون للشمس من دون الله تعالى، وكانوا من المشركين، يقول الله تعالى على لسان الهدهد: (وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون) {النمل: 24}، ويبدو أنَّ سليمان عليه السلام أراد أنْ يَعرِض على مَلكة سبإ بعض الحقائق العلمية الكونية التي تُثبت لها أنّ الشمس ليست إلهًا كما تظن وتؤمن، بل هي مخلوقٌ من مخلوقات الله في السماء الدنيا لوظيفة محددة، ولا ينبغي عبادتُها والسجود لها.

      وقد كان عليه السلام صاحبَ مُلكٍ عظيم، ودولةٍ متطورة علميًا وصناعيًا، وكان لديه من العلم ما يجعله متفوقًا في كل المجالات، ولم يقتصر علمُه على الأرض وما فيها، بل كان على عِلمٍ بالفَلَك والنجوم والكواكب والمَدارات والدروب والمَجَرَّات التي في السماء، وكان من خلال الصَّرْح الذي بناه يطّلع على ما في السماء من النجوم والكواكب، ويُراقب حركة المجموعة الشمسية بشكل واضح.

ومن خلال الآية الكريمة: (قيل لها ادخلي الصرح فلما رأته حسبته لجة وكشفت عن ساقيها قال إنه صرح ممرد من قوارير)  {النمل: 44}، يُمكننا الاستدلال على ماهيّة الصَّرْح ووظيفته، كما يلي:

1.قوله تعالى: (قيل لها ادخلي الصرح) {النمل: 44}، يُشير إلى أنّ الصَّرْح مكانٌ يمكن دخولُه، والمشيُ فيه.

2.قوله تعالى: (فلما رأته حسبته لُجة) {النمل: 44}، يُشير إلى أنّ الصَّرْح كان على الأرض، وهو ما جعل ملكةَ سبإ تكشف عن ساقيها لئلا يبتلَّ ثوبُها، وأنّها ما كانت لتحسَبه لُجّة ماء إلّا لأنه كان أمامها على الأرض، يعكس صورة السماء فتتراءى فيه النجوم والكواكب.

3.قوله تعالى: (قال إنه صرح ممرد من قوارير) {النمل: 44}، يُشير إلى أنّ سليمان عليه السلام قد شرح لملكة سبإ ماهيَّة الصَّرْح ووظيفته فقال: (قال إنه صرح ممرد من قوارير)، أيْ: إنّه بناء مُعَدٌ للكَشف والإظهار، يُمكننا من خلاله رؤية ما في السماء من نجوم وكواكب، وهو مصنوعٌ من الزُّجاج المُنَعَّم المَصقول، وقد سَبَقَ الأستاذ بسَّام جرَّار حفظه الله إلى هذا المعنى عندما قال: (من هنا يُحتَمل أنْ يكونَ دخولُها الصَّرح هو دخولاً للمَرصَد الزجاجي الضخم، من أجل تعريفها بواقع الأفلاك، ومناقشتها في عقيدتها، فهي مُهيَّأة لمِثل هذا العِلم). 

      وبعد دخول مَلِكة سبإ الصّرح، قام سليمان عليه السلام بعَرض ما يَظهر في الصّرح من النجوم والكواكب أمامها، حيث تنعكس صورةُ السماء على الصّرح المُمَرَّد من قواريرَ بشكل ظاهر ومكشوف، وقام بشرحٍ مُفصّل لها عن المجموعة الشمسية، وعن الشمس وحركتها، وجَريِها، ودورانها، ودوران وسباحة النجوم والكواكب، وأنّ هذا الفَلَك من صُنع الله تعالى وإبداعه.

      لقد رأت ملكة سبإ في الصّرْح ما يجعلها تقتنع بأنّ الشمس التي تعبدها ليست إلهًا، وأنّها مخلوقٌ من مخلوقات الله الكثيرة في السماء، وأنها تجري إلى مستقر لها، وأنّها إنما تُشرق وتَغرُب بأمر الله تعالى وفق سُننٍ كونية في الخَلق.

      وبعد هذا الشرح من سليمان عليه السلام، فقد دعاها لِتَرك عبادة الشمس، وأنْ تعبد معَه خالقَ هذا الكون الفسيح، وأخبرها أنه رسولٌ من رب العالمين، أرسله الله تعالى لهداية الناس وتعريفهم بربِّهم وإلههم، ليُوحِّدوه ويعبدوه ولا يشركوا بعبادته أحدًا.

      عندها قالت بقلبها وعقلها ولسانها: (قالت رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين) {النمل: 44}.

👇👇👇

دكتور/ نصر فحجان – غزة

من كتابه: (قضايا تفسيرية تحت الضوء).

صدقة جارية