أخبار عاجلة
الرئيسية / الرئيسية الاخبار / ما دلّهم على موته إلا دابة الأرض تأكُل مِنسَأتَه)

ما دلّهم على موته إلا دابة الأرض تأكُل مِنسَأتَه)

يقول الله تعالى: (فلما قضينا عليه الموت ما دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته فلما خرّ تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين) {سبأ: 14}.      

      هذه الآية تتحدث عن موت سليمان عليه السلام، والمشهور في كتب التفسير أنّه مات وهو يتّكِئ على مِنسأته (عصاه)، وأنّ دابّة الأرض ظلّت تأكل منها سنةً كاملة ولا أحدَ يعلم بموته، إلى أنْ نَخَرَتها، فخَرَّ ووقع، وعندها فقط عرف الناس المحيطون به أنّه مات عليه السلام.

      هذا ما يُوجد في معظم كتب التفسير، وتتناقله الأجيال بعد الأجيال، ويتعلمه التلاميذ والطلبة في المدارس والجامعات، ويُعَلِّمه الوعاظ للناس في المساجد، وهو بلا شكّ أمرٌ غير مقبول، وغير منطقي، ولا دليل عليه من القرآن الكريم، والسُّنة الصحيحة، واللسان العربي السليم، ولا يحتمله السياق، وهو يدعو للدهشة والاستغراب! فكيف يُمكن لأحدٍ القول بأنّ سليمان عليه السلام قد ظلّ مَيْتًا سنةً كاملةً، وهو واقف يتّكئ على مِنسأته، دون أنْ يعلم بموته أحد؟! وهو ما يستدعي مزيدًا من النظر والتأمُّل وإعادة التّدبُّر لهذه الآية الكريمة.

مُعطيَات ودلالات:

1.إنّ سليمان عليه السلام رجلُ دولة، وهو مَلِك ونبيّ، وإنّ غيابه عن إدارة مُلكه، وتكاليف النبوة، من شأنه أنْ يُلفت الأنظار لغيابه منذ اليوم الأوّل، ومنذ الساعات الأولى، فكيف يُمكن قبول أو تصديق أنّه ظل ميْتًا لسنة كاملة دون أنْ يفتقده أحد؟!

2.سليمان عليه السلام ليس نبيًّا ورجلَ دولة ومَلِكًا فحسب، بل كان قاضيًا يقضي بين الناس، ومن الطبيعي أنّ الناس والمتخاصمين سيأتونه ليقضي بينهم، وسيفتقدونه إنْ غاب، وسيسألون عنه، ما يجعل التصديق بأنه ظلَّ ميْتًا لسنة كاملة دون أنْ يعلم بموته أحدٌ ضَرْبًا من المستحيل.

3.لقد كان سليمان عليه السلام زوجًا، وأبًا، وعنده بيت، وأسرة، وأقارب، وأرحام، وعنده معاونون وخَدَم؟ فهل يُعقل أنّ كل هؤلاء الذين يعيشون معه ويعيش معهم لم يعلموا بموته إلا بعد سنة؟، أَلَم يأتوا له بالطعام؟ أَلَم يتفقَّدوا نومَه وراحته؟ أَلَم يفتقده أحد؟ أَلَم يسأل عنه أحد؟ أَلَم يشعر أحدٌ بغيابه عن العبادة؟ 

فهل يُعقل هذا؟!

      هل يُعقل أنْ تظلّ دابّةُ الأرض تأكل منسأة نبي الله سليمان عليه السلام، وتنخَر فيها سنةً كاملة إلى أنْ يَخِرّ على الأرض، فيعرف الناس والجنّ أنّه مات؟

      إنّ الآية الكريمة لا تشير إلى هذا، لا من قريب ولا من بعيد، بل إنها تشير إلى سرعة وفورية معرفة المحيطين بسليمان عليه السلام بأنّه مات، يقول الله تعالى: (فلما قضينا عليه الموت ما دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته فلما خرّ تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين) {سبأ: 14}.

وفي الآية عدّة إشارات تدُلّ على كيفية معرفة الناس بموته عليه السلام:

أوّلاً: لم يكن أحدٌ من جنود سليمان عليه السلام، أو من غيرهم، يجرؤ على الاقتراب منه أو من مِنسأته، لما أعطاه الله تعالى من الهَيبة والقوة والمُلك العزيز، ففي حادثة الهدهد يقول الله تعالى: (فمكث غير بعيد)، في إشارة إلى هَيبة سليمان عليه السلام، حيث جعل الهدهد بينه وبين سليمان عليه السلام مسافةً كافيةً راعى فيها هذه الهَيبة.

ثانيًا: في قصة النملة يقول الله تعالى: (حتى إذا أتوا على واد النمل قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون) {النمل: 18}، فقد استشعرت النملة وجود سليمان عليه السلام قريبًا من مساكن النمل، وهذا يشير إلى أنّ جميع مَن في دولته عليه السلام كان يحسِب حسابه، ويستشعر هَيبته، ويعرف بوجوده.

      فلا يمكن لدابًة الأرض وحشراتها أنْ تقترب منه عليه السلام في حال حياته مجرد الاقتراب، بسبب ما وهبه الله تعالى من الهَيبة، فضلًا عن كونها تأكل منسأته.

كيف استدلُّوا على موته؟

      وقد استدل المحيطون بسليمان عليه السلام على موته من خلال اقتراب دابّة الأرض (حشرات الأرض) من مِنسأته، والبدء بالأكل منها، فَهُم يعرفون هيبة سليمان عليه السلام، وأنه لا ينبغي لأحد أنْ يعتدي عليه، أو على شيء يملكه، وهم لم يعهدوا على دوابّ الأرض مثل هذا من قبل، وهذه هي المرة الأولى التي يرَوْن فيها حشرات الأرض تجرؤ على الاقتراب من منسأة نبي الله سليمان عليه السلام والأكل منها.

      إذن فسليمان عليه السلام قد مات، ولم يَعُد له هذه الهَيبة التي كان كل مَن في دولته يستشعرها ويعلمها، وكذلك لم تَعُد منسأته منسأةَ النبي الذي وهبه الله تعالى مُلكًا لا ينبغي لأحد من بعده، وهو ما جعل المحيطين به يعرفون أنّه عليه السلام قد مات.

ثالثا: إنّ الذي فعلته الدَّابّة هو الشروع بالأكل من المِنسأة ليس أكثر، لكنها لم تأكل المِنسأة، ولم تَنْخَرْهَا، وهو ما نفهمه من الآية: (ما دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته، أيْ أنها بدأت تأكل من المِنسأة، وهو ما جعل المُحيطين بسليمان عليه السلام من المُعاونين أو الأهل ينتبهون لهذا الفعل الغريب وغير المعتاد من دابّة الأرض، ويشعرون بموته عليه السلام، ولم يَرِد في الآية ما يَدُلُّ على أنّ دابَّة الأرض أكلَت المِنسأة ونَخَرَتها كلّها، أو أنَها استغرقت وقتًا في ذلك، فصيغة الفعل (تأكل) تدُل على المضارع، لا على الماضي، فكل ما حدث هو أنّها اقتربت من المِنسأة وبدأت تأكل منها.

      والآية لم تُشِر إلى أنّه عليه السلام قد خَرّ عن كرسيِّه بسبب دابّة الأرض التي اقتربت من مِنسأته وأخذت تأكل منها، بل كان ذلك بسبب معرفة المُحيطين به عليه السلام بموته، فقد جاءوا يستطلِعون الأمر، لعلَّهم يعرفون سببَ جُرأةِ الدَّابّة واقترابها من مِنسأة سليمان عليه السلام، فاقتربوا منه، ونادَوه، فلم يستجِبْ لهم، فَحَرّكوه بأيديهم وهو على كرسيِّه، فخَرّ ووقع على الأرض بسبب تحريكهم.

      وكلمة (خَرَّ) تدُلُّ على الوقوع إلى سُفْل بصوت، وهو ما يَجعلنا نتصوَّر أنّه عليه السلام قد مات وهو جالسٌ على كُرسيِّه والناس حولَه يرَونَه أمامَهم، ولم ينتبهوا إلى موته إلا عندما رَأَوا دابَّة الأرض تقترب من مِنسأته وتأكل منها.

      والَّلافت للانتباه في موت سليمان عليه السلام، أنّ الجنّ المُسخَّرين الذين كانوا يعملون بين يديه، ظلُّوا بعد موته يُواصلون عملهم من غير توقف، ولم يكونوا يعلمون أنه مات، ولم يعلموا بذلك إلا عندما خَرَّ ووقع عن كرسيِّه، وأُعلِنَ أنّه قد مات، وعندها فقط انكشف أمرُهم، وعلِمَ غيرُهم من الناس أنّ الجنّ لا يعلمون الغَيب، وأنّهم لو كانوا يعلمون الغَيب لَعلِموا بموت سليمان عليه السلام، ولمَا واصلوا العمل المُتعب، ولمَا لبِثُوا في العذاب المُهين الذي كان يفرضه عليهم نبيّ الله سليمان عليه السلام، يقول الله تعالى: (فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين) {سبأ: 14}.

👇👇👇

دكتور/ نصر فحجان – غزة

من كتابه: (قضايا تفسيرية تحت الضوء)

صدقة جارية