
يقول الله تعالى: (وقال قرينه هذا ما لدي عتيد * ألقيا في جهنم كل كفار عنيد * مناع للخير معتد مريب * الذي جعل مع الله إلها آخر فألقياه في العذاب الشديد * قال قرينه ربنا ما أطغيته ولكن كان في ضلال بعيد) ق 23-27
القَرين: هو الصّاحب والملازم، ويكون من الإنس، والملائكة، والجنّ، والحيوان وغير ذلك.
والقرين من الفعل: قرن، واقترن، نقول: وكل قرين بالمقارن يقتدي، أيْ كل صاحب، ونقول: جاء الرجل وقرينته، أيْ زوجته.
وفي الحديث الصحيح أنّ لكل إنسان قرينَين لا ينفكَّان عنه من الملائكة ومن الجنّ، فعن عبد الله بن مسعود أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما منكم من أحد إلا وُكّل به قرينه من الجن، وقرينه من الملائكة، قالوا: وإياك؟ قال: وإياي، إلا أنّ الله أعانني عليه فأَسْلَمَ، فلا يأمرني إلا بخير) الألباني، صحيح الجامع 5800.
فالقرين يكون من الملائكة، ويكون من الشياطين، فأما قرين الملائكة فيدعو صاحبه إلى الخير، ويأمره بالتقوى، وأما قرين الشياطين، فيدعو صاحبه إلى الشر، ويأمره بالعدوان.
ولا يملك قرين الملائكة أنْ يُجبر ابن آدم على فعل الخير، أو ترك فعل الشر، وما يملكه هو الإلهام بالخير، والتثبيت على الحق، والله تعالى يقول: (وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر).
ولا يملك قرين الجن أنْ يُجبر ابن آدم على فعل الشر، أو ترك فعل الخير، وكل ما يملكه الوسوسة لا غير، يقول الله تعالى: (وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم)
وقد صحَّ أيضًا عن عبد الله بن مسعود أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنّ للشيطان لَمَّةً بابن آدم، وللمَلَك لمَّةً، فأما لَمَّةُ الشيطان فإيعادٌ بالشر وتكذيبٌ بالحق، وأما لمَّةُ المَلَك فإيعادٌ بالخير وتصديقٌ بالحق، فمَنْ وجد ذلك فليعلمْ أنه من الله، فليحمد الله، ومَن وجد الأخرى فليتعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ثم قرأ: الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء…الآية) الألباني، صحيح الترمذي 2988.
وسورة (ق) تتحدث عن قرينين لابن آدم يوم القيامة:
1.القرين من الملائكة: وهو قرينٌ كان في الدنيا يلازم ابن آدم ولا يفارقه، ويكتب كل أقواله وأفعاله: (ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد)، وهو في يوم القيامة يقدّم ما كتب عن ابن آدم لله تعالى ليقضي في أمره، يقول الله تعالى عنه: (وقال قرينه هذا ما لديّ عتيد)، أيْ: هذا ما كتبته من أقوال وأفعال ابن آدم عتيد وحاضر وجاهز، فيقضي الله تعالى في شأن هذا الإنسان، وفي شأن قرينه من الشياطين الذي كان يشاركه الغواية والضلال، فيقول: (ألقيا في جهنم كل كفار عنيد * مناع للخير معتد مريب * الذي جعل مع الله إلها آخر فألقياه في العذاب الشديد).
2.القرين من الشياطين: وهو قرين كان يلازم ابن آدم في الدنيا ولا يفارقه، وكان لا يتوقف عن الوسوسة بالشر لصاحبه، ويأمره بالإثم والعدوان والفساد والإفساد والغواية، ويدلُّه على الشر، ويبذل معه كل وسيلة لإبعاده عن الحق والخير، وهو يوم القيامة يُنكر أنه كان سببًا في طغيان صاحبه، يقول الله تعالى عنه: (قال قرينه ربنا ما أطغيته ولكن كان في ضلال بعيد * قال لا تختصموا لدي وقد قدمت إليكم بالوعيد * ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد)، وفي الآيات يحاول القرين الشيطان أنْ يتنصل من مسئوليته عن الإغواء والإضلال، والمشاركة في فعل الشر مع ابن آدم، فيكذب ويقول: (ربنا ما أطغيته ولكن كان في ضلال بعيد)، لكنّ الله تعالى يزجرهم وينهاهم عن هذا الاختصام في حضرته العليّة فيقول: (لا تختصموا لديّ وقد قدمت إليكم بالوعيد)، فلا استئناف للقضاء، ولا تراجع ولا تغيير للحكم: (ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد).
د. نصر فحجان – غزة
Tabrenkout موقع تابرنكوت الاخباري



