
العالم الشيخ عمر بن محمد فَلَّاتة – الفُلَّاني – رحمه الله، المدرس بالمسجد النبوي الشريف خمسين عاماً.
والداه من أهل نيجيريا من قرية على نهر النيجر بغرب إفريقيا، وخرجا للحج، واستغرقت رحلتهم للحج سنة كاملة من خروجهم للقرية وحتى وصولهم إلى مكة المكرمة، وقد حملت بالشيخ عمر والدته أثناء الطريق، ووضعته قبل وصولهم إلى مكة بقليل في إحدى القرى، وكما يقول الشيخ عمر رحمه الله: “لقد قضت حكمة الله أن يبدأ أبواي المسيرة وهما اثنان، وينتهيا إلى البلد الحرام وهم ثلاثة” وذلك عام ١٣٤٥هـ.
ومنذ وصل والداه به إلى المدينة المنورة ١٣٤٦هـ لم يخرج الشيخ عمر منها إلا لحج أو عمرة أو دعوة حتى توفي رحمه الله ودفن في البقيع ١٤١٩هـ.
وقد ابتدأ الشيخ عمر رحمه الله تدريسه في الحرم النبوي الشريف عام ١٣٧٠هـ خلفا لشيخه الشيخ عبدالرحمن الأفريقي رحمه الله.
وكان كرسي الشيخ عمر رحمه الله في المسجد النبوي الشريف في الروضة الشريفة خلف مكبرية المؤذنين، وكان يدرس بدون مكبر صوت، فقد كان صوته جهوريا، حسن الأسلوب، يأخذ بلب السامع وعقله، وكان ذا طلعة بهية، يحبه من يراه لأول مرة، وقد جلست في حلقته مرات، وسلمت عليه مرة في عام ١٤١٧هـ – قبل وفاته بعامين – بعد انتهاء درسه الذي كان يعقد ما بين المغرب والعشاء، فسلمت عليه بعد صلاة العشاء، وسألته عن فضل الصلاة في الحِجْر وهل فضلها كفضل الصلاة في جوف الكعبة، فقال لي: من صلى في الحجر فقد صلى في الكعبة ولا فرق، فهو جزء من الكعبة قصرت النفقة بقريش عن إدخاله في الكعبة، ثم ذكر لي حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها حين قال لها النبي صلى الله عليه وسلم: “يا عائشة صلي في الحجر فإنه من البيت”.
وسيرة الشيخ عمر رحمه الله طويلة ملهمة، وإنما أحببت أن أذكر منها أمراً أعجبني لموافقته شيئا كنت أصنعه، ولم أكن أعلم أن لي فيه سلفا صالحا.
كان الشيخ عمر رحمه الله في عام ١٣٩٧ هـ في دمشق، فكتب إلى الشيخ محمد المجذوب رحمه الله وكان حينها في اللاذقية كتابا أدبيا يخبره فيه أنه سيترك دمشق ويتجه إلى عمّان، يقول الشيخ عمر رحمه الله:
“….وإني عازم السفر إلى أودية عمّان وجبالها بعد يومين، وأنتم تعلمون أنها أقرب إلى مدينة الرسول ﷺ، ولا حرج علي إن صعدت بعض مرتفعاتها، ورميت ببصري إلى تلك الديار الفيحاء، عَلِّي أن أشاهد ما تتوق إليه الأرواح، وتعمل إليه المطي، وتسكب عندها العبرات، فإن ذلك ممكن ويسير، إذ إن للأرواح سموا وتحليقا، تبلغ به أعلى الآفاق”.
فالشيخ عمر رحمه الله هنا يرغب أن يقف على الجبال المحيطة بعمّان ليرمي ببصره نحو فلسطين المباركة، ويملأ عينه وقلبه من رؤيتها، ويسافر بروحه نحوها، وإن منعت الأجساد من الوصول، فلا قيد على الأرواح.
أقول أنا سعد الغامدي: كان من بواعث سفري أول مرة إلى الأردن المبارك، أن يتأتى لي ما ذكره الشيخ عمر رحمه الله من رؤية فلسطين المباركة، خصوصاً أني رأيت كثيراً من الفضلاء من بعض المواقع في الأردن يصورون المسجد الأقصى المبارك ويشاهدون قبة الصخرة بوضوح، فقلت لعلي أرى بعيني ما تتوق إليه روحي ويتمناه قلبي.
وقد سافرت ولله الحمد مرارا إلى الأردن فهي بلد محبوب محبب، وهي جزء من الأرض المباركة، وقد وقفت على نهر الأردن ورأيت فلسطين بأم عيني، ووضعت قدمي في نهر الشريعة، وشاهدت البلدات والقرى من بحيرة طبرية وبيسان إلى نابلس ورام الله والقدس وأريحا وقرى الخليل وجبالها، إلا أن عيني لم تكتحل حتى الساعة برؤية المسجد الأقصى المبارك فعسى أن يكون قريبا.
وقد علمت كذلك أن شيخا آخر كبيرا عالما كان يصنع مثل ما صنعت أنا، سأطوي ذكره الآن، وسأفرده بمنشور لاحقا إن شاء الله.
وعودا إلى الشيخ عمر فقد قال في بقية كتابه إلى الشيخ المجذوب رحمهما الله:
“ويالحسرتي وندامتي وأسفي على قومي وبني ملتي .. فلقد أجلتهم يهود عن المسجد الثالث القريب، ومنعتهم من تمريغ جباههم لله في منازل الخليل ومسجد إيلياء والجليل .. وما ذاك إلا أنهم غيروا وبدلوا، وشابهوا أحفاد القردة والخنازير، وولوا واستكبروا، وقد تركهم آخر النبيين وخاتم المرسلين على المحجة البيضاء التي ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، ورحم الله عمر الفاروق الذي أجلى يهود من جزيرة العرب، وطردهم إلى فدك وأذرعات عندما سمع حديث عبد الرحمن بن عوف: (لا يجتمع دينان في جزيرة العرب) وياليتها تسعد بلفتة من لفتات عمر، وتحظى بوثبة من وثبات صلاح الدين ونور الدين”
آمين آمين 🤲، أسأل الله أن يعجل فرج تلك البلاد المباركة، ويفك أسرها، ويحسن خلاصها، ويبيد عدوها ويكبته ويذله.
وقد كنت ليلة البارحة أطلع على ترجمته فوقفت على هذا الموضع فكان سببا في هذا المنشور.
فرحم الله الشيخ عمر رحمة واسعة وأسكنه الفردوس الأعلى من الجنة.
Tabrenkout موقع تابرنكوت الاخباري



