
كتب الشيخ أحمدَ الحسن ابن الشيخ محمد حامد رئيس المجلس الأعلى للفتوى والمظالم سابقا ردا على الفقيه محمد فاضل .
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدلله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد فقد طالعنا أحد الأساتذة بمحاضرة له بعنوان “فقه العصر” تحدث فيها عن عدم الإخلاص لدى أهل بلدنا ورقة دينهم واختلال العقائد عندهم خاصة لدى علمائهم “فالعقيدة لم تشرح لهم كلها” وأكثرهم “لم يرب على الإيمان” والعلماء الأجلاء عقيدتهم غير صحيحة” ” فالناس كلهم غير مؤمنين بالقرءان”
ونقف في هذه المحاضرة عند ثلاث مسائل ذهب إليها هذا المحاضر، وهي:
المسألة الأولى: قال: إن إبليس غير كافر قال: ذلك في سياق أن من مات مصرا على المعصية فهو شقي مخلد في النار، لايشترط في ذلك أن يكون كافرا “فإن إبليس غير كافر”،
المسألة الثانية: هي أن من مات مصرا على المعصية يموت شقيا مخلدا في النار لايشترط في ذلك الكفر، وأثناء كلامه قال المشرف: نحن نظن أن عصاة المسلمين يطهرون ثم… ولم يتركه المحاضر يكمل، ولعله كان يريد أن يقول: يدخلون الجنة فقال المحاضر: من قالها؟ وأينا شاهدها؟ ذلك كذبنا نحن.
المسألة الثالثة: أن الولاية غيب لا يعلمه إلا الله، ومن قال إن فلانا ولي فقد كفر بئايات منها قوله تعالى: ( قل لايعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله) وقوله تعالى: (وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو) وقال: إن الرسول صلى الله عليه وسلم لايعلم الغيب لأن الله قال له عن المنافقين: (لا تعلمهم نحن نعلمهم ) وقال عن علماء هذا البلد: فالعلماء الأجلاء عقيدتهم غير صحيحة لأنهم يقولون “فلان وليٌّ”.
الردود:
أما كون إبليس غير كافر فلا نطيل في الرد عليه فالله تعالى يقول: (وإذ قلنا للملٰئكة اسجدوا لأدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكفرين) إلى غيرها من الآيات الصريحة، ولا نتعب أنفسنا في تفنيد ماحاوله المحاضر من تسويغ ما قاله في رده على الإستشكالات ولكننا نقول: ما أحسن أن يعترف بخطئه ويقول إنها زلة لسان.
أما ما ذهب إليه من تخليد العصاة المؤمنين في النار فيكفي في الرد عليه قوله تعالى: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) وإجماع أهل السنة والجماعة على أنه لايخلد عاصٍ من الأمة في النار.
ليست أوصاف الوليّ غيبا:
أما كون الولاية غيبا فقد بين الله أوصاف الوليّ ولم يجعلها غيبا قال تعالى:( ألا إن أولياء الله لاخوف عليهم ولاهم يحزنون الذين ءامنوا وكانوا يتقون) فما ذكرت الأدلة الشرعية كتابها وسنتها أوصاف الوليّ إلا ليعرف؟
فمن آمن بالله وكان متقيا له كفى ذلك للحكم له بالولاية فتجب محبته وموالاته وتحرم معاداته.
ولو كانت الولاية غيبا ما ألف أعلام الأمة في مختلف عصورهم في طبقات الأولياء. وأخبارهم ومناقبهم مثل:
1- حلية الأولياء لأبي نعيم الأصبهاني
2- صفة الصفوة لعبد الرحمن بن الجوزي الحنبلي
3- “طبقات الصوفية” لأبي عبد الرحمن السلمي النيسابوري.
4- روض الرياحين في حكايات الصالحين لليافعي.
5- رياض النفوس في طبقات علماء القيروان وإفريقية وزهادهم ونساكهم وسير من أخبارهم وفضائلهم وأوصافهم لأبي بكر عبد الله بن محمد المالكي.
6- التشوف إلى رجال التصوف وأبي عبد الله السبتي ليوسف بن يحيى التادلي.
7- الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية لزين الدين عبد الرؤوف المناوي الشافعي.
8- طبقات الأولياء لابن الملقن الشافعي.
9- طبقات الأولياء لعبد الوهاب الشعراني.
10- طبقات الأولياء المكرمين رضي الله عنهم أجمعين للسخاوي.
وهذه مجرد أمثلة سقناها للتمثيل لا للحصر.
إطْلاع الله لرسوله وغيره من الأولياء والأصفياء على بعض الغيب:
وكان على المحاضر أن يكون معتدلا وأمينا في قضية معرفة رسول الله صلى الله عليه وسلم وغيره من الأنبياء والأصفياء لبعض الغيب وذلك ما يقتضي منه أن يتناول المسألة تناولا لا إفراط فيه ولا تفريط فالغيب المطلق لا يعلمه إلا الله فلا أحد بالأصالة يعلم الغيب إلا الله. وهذا ما يجب الإيمان به وهو أساس لا غنى عنه.
ولكن هل يُطلع الله الأنبياء والأصفياء على ما شاء من غيبه بحكم الإطلاع والتعليم منه لا بحكم العلم أصالة؟ فنقول: نعم فبالنسبة للأنبياء فالله يقول: (عٰلم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول).
وأخرج مسلم من حديث حذيفة رضي الله عنه قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم مقاما ما ترك شيئا يكون في مقامه ذلك إلى قيام الساعة إلا حدث به حفظه من حفظه ونسيه من نسيه، قد علمه أصحابي هؤلاء وإنه ليكون منه الشيء قد نسيته فأراه فأذكره كما يذكر الرجل وجه الرجل إذا غاب عنه ثم إذا رءاه عرفه. الحديث 2891
وأخرج مسلم من حديث أبي زيد عمرو بن أخطب قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الفجر وصعد المنبر فخطبنا حتى حضرت الظهر فنزل فصلى ثم صعد المنبر فخطبنا حتى حضرت العصر ثم نزل فصلى ثم صعد المنبر فخطبنا حتى غربت الشمس فأخبرنا بما كان وما هو كائن فأعلمنا أحفظنا. الحديث 2892.
والأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الباب كثيرة.
وأما قوله تعالى: (لا تعلمهم نحن نعلمهم) فإنما تكون حجة على من ادعى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم الغيب كله ولا تكون حجة على من قال: إنه أطلعه الله على بعض الغيب لأن هذه الآية تتعلق بأُناس من المنافقين، لا بكل غيب.
وإذا كان الله جعل من مزايا رسوله صلى الله عليه وسلم أنه قربه وأطلعه على بعض المغيبات تكريما وتشريفا فكيف يحق للأستاذ المحاضر أن يجرده من هذه المزية ويكرر مرات أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يعرف الغيب يقولها نكاية بعلماء بلده وعوامهم الذين يعتقدون في الأولياء؟
وأما غير الأنبياء من الأصفياء و الأولياء فقد تواتر عنهم كثير من إطْلاع الله لهم على كثير من المغيبات فقد صح عن أبي بكر أن الله أطلعه على ما في بطن بنت خارجة أنه أنثى، وصح عن عمر رضي الله عنه أن الله أطلعه على قصة جيش سارية فكلمه وهو في أثناء خطبة الجمعة وصح كثير من ذلك عن الصحابة وعن التابعين ومن بعدهم مما تواتر وعلم صدقه وليس هذا من علم الغيب المطلق وإنما هو من إظهار الله وتعليمه قال تعالى: (سبحٰنك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم) وقال تعالى: (ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء).
وصلى الله وسلم على رسوله وآله وصحبه والتابعين لهم بإحسان.
والحمد لله رب العالمين.
أحمد الحسن بن الشيخ محمد حامد.
Tabrenkout موقع تابرنكوت الاخباري



