
ولد العلامة محمد المصطفى ولد محمد محمود ولد المصطفىى بيدر ولد بوبني سنة 1340 هـ الموافق 1921م، من قبيلة تاگاط، فخيذة أهل بوخيار، ركيزة أهل النينات، لأمه سيدة النساء، المرأة العابدة، الصالحة مريمة بنت محمد ولد أبه. اشتهر بالعلم والورع، وعرف بين الناس بالصدق في القول، والعدل في الفتوى، والجرأة في إظهار الحق، فجمع بين رسوخ المعرفة وحسن السيرة، حتى غدا مرجعا في الثقة والصراحة في قول الحق، يثق الناس بعلمه وحكمه، وظل طوال حياته نموذجا للفقيه العامل الذي جعل من العلم رسالة، ومن قول الحق منهجا لا يحيد عنه.
نشأ رحمه الله في بيت عرف بالعلم والفضل، فشب محبا للقرآن الكريم، متعلقا بمجالس العلماء، حتى تفتحت مواهبه العلمية في سن مبكرة.
رحلته في طلب العلم
تلقى الشيخ علومه على نخبة من كبار علماء عصره، فنهل من معينهم الصافي، وتدرج في مدارج العلم حتى بلغ منزلة رفيعة بين أهل الفقه والقضاء والإفتاء.
فقد أخذ الإجازة القرآنية بسندها المتصل عن خاله العالم المقرئ جار الله ولد خونة، وأتقن كتاب الله حفظا وأداء.
ثم لازم الشيخين الجليلين لمرابط أواه ولد الطالب إبراهيم ولمرابط أباه ولد محمد الأمين، فدرس عليهما الفقه وأصوله، وأمهات المتون، حتى أصبح من أبرز علماء المنطقة وأكثرهم تمكنا في علوم الشريعة.
الإنتاج العلمي
لم يكن علم الشيخ حبيس المجالس، بل امتد أثره إلى التأليف والفتوى والمراسلات العلمية، فترك عددا من الفتاوى التي عالجت قضايا النوازل التي شغلت المجتمع في زمانه، ومن أبرزها مسائل التدخين، وخروج المرأة، وحلاقة اللحى، حيث تناولها بعلم راسخ، واستدلال متين، وحجة واضحة.
كما كانت له مراسلات فقهية مع عدد من كبار علماء عصره، من بينهم الشيخ أحمد أبي المعالي، والشيخ زين ولد المحبوبي، والشيخ بداه ولد البصيري رحمهم الله جميعا، وهو ما يعكس مكانته العلمية وثقة أقرانه بعلمه واجتهاده.
رسالة التعليم
كرس الشيخ حياته لنشر العلم وتعليم القرآن الكريم، فأنشأ مجالس لتدريس القرآن في نواكشوط، ثم استقر في صنكرافة، حيث تحولت محظرته إلى منارة علمية، تخرج فيها عدد كبير من حفظة القرآن الكريم وطلبة العلوم الشرعية، الذين حملوا رسالته العلمية إلى مختلف أنحاء البلاد.
مواقفه الوطنية
لم يكن الشيخ من الفقهاء الذين آثروا الصمت في القضايا المصيرية، بل كان صاحب موقف وكلمة، يجهر بالحق دون تردد.
ومن أشهر مواقفه التاريخية موقفه خلال الاستفتاء الديكولي سنة 1958م، حين صوّت بكل شجاعة بـ “لا” (Non)، رافضا استمرار الهيمنة الاستعمارية الفرنسية على موريتانيا، ومؤيدا خيار الحرية والاستقلال الكامل، ليسجل بذلك موقفا وطنيا ظل شاهدا على شجاعته واستقلالية رأيه.
الابتلاء والصبر
ابتلي الشيخ في أواخر حياته بمرض مؤلم أصاب الجانب الأيسر من وجهه، واستمر معه سنوات طويلة، في وقت كانت وسائل العلاج فيه محدودة. غير أن هذا الابتلاء لم يثنه عن أداء رسالته، فظل يدرس ويفتي ويواصل نشر العلم محتسبا الأجر عند الله، صابرا راضيا بقضائه.
الوفاة والإرث
وفي سنة 1998م انتقل الشيخ إلى جوار ربه، بعد حياة حافلة بالبذل والعطاء، تاركا وراءه إرثا علميا نفيسا، تمثل في مكتبة عامرة ضمت أمهات الكتب في علوم الشريعة واللغة، إضافة إلى ما خلفه من تلاميذ وعلماء وطلاب علم واصلوا حمل رسالته.
ودفن رحمه الله في صنكرافة، التي احتضنت سنوات عطائه، وبقي اسمه محفورا في ذاكرة أهلها، وفي سجل الفقهاء الذين جمعوا بين العلم والعمل، وبين الموقف والمبدأ.
رحم الله العلامة العدل المبرز الشيخ محمد المصطفى ولد محمد محمود ولد بوبني، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه عن الإسلام والوطن خير الجزاء، وجعل علمه وعمله في ميزان حسناته.
الصورة تقريبية
Tabrenkout موقع تابرنكوت الاخباري



