أخبار عاجلة
الرئيسية / آخر الأخبار / تجكانت في المصادر الخارجية: من وثيقة تيديكلت إلى حاضرة تنيگي

تجكانت في المصادر الخارجية: من وثيقة تيديكلت إلى حاضرة تنيگي

أخي الكريم المبارك،
نزولًا عند رغبتك، لن أنشر الرسالة التي أرسلتها إليَّ على الخاص، وقد ذكرتَ فيها أن «المجالس بالأمانات»، وسألتزم بذلك رغم ما اشتملت عليه الرسالة مما يستدعي المناقشة والرد.
▪︎ وسأقتصر هنا على بيان النقاط التي يزدهيك التشكيك فيها، من خلال الشواهد التاريخية والمصادر التي يمكن الرجوع إليها والتحقق منها.
ولن أنطلق في هذا المقال من المصادر المحلية؛ لأن معظم ما ورد فيها عن تجكانت معروف ومتداول، وإنما سأحاول تتبُّع ذكر تجكانت في المصادر الخارجية، مرتبًا الشواهد بحسب أقدم ما وقفت عليه منها، مع الاستعانة بالمصادر المحلية عند الحاجة، ولا سيما في بيان ما اتفقت عليه في شأن تنيگي، حاضرة تجكانت.
▪︎ والمقصود هنا ليس جمع كل ما قيل عن تجكانت، ولا إعادة كتابة تاريخ القبيلة، وإنما الإجابة عن سؤال محدد: متى يظهر اسم تجكانت في المصادر الخارجية، وكيف تتتابع الشهادات عنهم وعن مجالهم وحاضرتهم تنيگي؟
وسنبدأ بأقدم شاهد خارجي وقفت عليه حتى الآن: وثيقة تيديكلت، ثم نتتبع الشواهد اللاحقة زمنيًّا حتى نصل إلى الأخبار المتعلقة بتنيگي وخرابها وتفرق أهلها.
▪︎ أولًا: أقدم ذكر وقفت عليه لاسم تجكانت: نحو 794هـ/1392م
إن أقدم وثيقة وقفت عليها حتى الآن توثق اسم «تجكانت» بهذا اللفظ هي ورقة مخطوطة عُثر عليها في تيديكلت، ونقل خبرها الباحث الفرنسي A.-G.-P. Martin في كتابه:
A.-G.-P. Martin, Les oasis sahariennes (Gourara–Touat–Tidikelt), Alger, Imprimerie Algérienne, 1908, p. 115.
وينبغي التنبيه إلى أن A.-G.-P. Martin غير Paul Marty؛ فهما مؤلفان مختلفان.
والنص الذي أورده مارتن يقول:
«L’année suivante, les Arib, les Tadjakant et beaucoup d’Arabes Hassane vinrent camper dans l’Ahnet où ils convoquèrent les gens du Tidikelt et du Touat ; ceux-ci leur envoyèrent des députations de notables qui scellèrent un pacte d’amitié avec eux, et les gens de l’Ouest retournèrent chez eux sans commettre d’hostilité.»
ومعناه:
«وفي السنة التالية قدم العريب وتجكانت وكثير من عرب حسان، فنزلوا في أَهْنَت، واستدعوا أهل تيديكلت وتوات؛ فأرسل إليهم هؤلاء وفودًا من الأعيان، فعقدوا معهم ميثاق صداقة، ثم عاد أهل الغرب إلى بلادهم من غير أن يرتكبوا أعمالًا عدائية».
والأهم من ذلك أن مارتن أحال مباشرة إلى مصدر هذا الخبر في الحاشية فقال:
«Feuillet MS. trouvé au Tidikelt.»
أي:
«ورقة مخطوطة عُثر عليها في تيديكلت».
ويأتي هذا الخبر في سياق أحداث يؤرخها مارتن بنهاية القرن الرابع عشر الميلادي؛ إذ يقول عقب ذلك:
«La chronique locale note aussi, cette année-là (1392), une famine au Touat…»
أي:
«وتسجل الحولية المحلية أيضًا في تلك السنة (1392م) مجاعة في توات…».
وتكمن أهمية هذه الوثيقة في جملة أمور:
▪︎ أولًا: أنها تثبت اسم Tadjakant = تجكانت صريحًا في خبر يعود إلى أواخر القرن الثامن الهجري/الرابع عشر الميلادي.
▪︎ ثانيًا: أن تجكانت لا يظهرون في الخبر أفرادًا متفرقين، وإنما جماعة متميزة باسمها، ذكرها النص إلى جانب العريب وعرب حسان.
▪︎ ثالثًا: أن النص يضعهم ضمن حركة صحراوية واسعة بلغت أَهْنَت واتصلت بأهل تيديكلت وتوات.
▪︎ رابعًا: أن الأمر لم يكن مجرد مرور قافلة؛ فقد أرسل إليهم أهل تيديكلت وتوات وفودًا من الأعيان، وانتهى الاتصال إلى عقد ميثاق صداقة.
▪︎ خامسًا: أن النص يصفهم في ختام الخبر، مع من كانوا معهم، بأنهم:
«les gens de l’Ouest»
أي: «أهل الغرب»؛ وهو تحديد جغرافي مهم من منظور أهل تيديكلت وتوات.
▪︎ سادسًا: أن مارتن لم يسند الخبر إلى رواية شفوية جمعها في مطلع القرن العشرين، وإنما صرح بأنه أخذه من ورقة مخطوطة عُثر عليها في تيديكلت.
ومن هنا فإننا أمام شاهد مكتوب على وجود اسم تجكانت في أواخر القرن الثامن الهجري، وليس مجرد إسقاط لرواية قبلية متأخرة على تلك المرحلة.
▪︎ من المقصود بـ«عرب حسان» في الوثيقة؟
إن الذي تثبته وثيقة تيديكلت يقينًا هو ورود ثلاثة أسماء متميزة في خبر واحد: «العريب»، و«تجكانت»، و«عرب حسان».
أما تحديد النسب الدقيق للجماعة الثالثة فمسألة مستقلة؛ إذ لا يكفي مجرد ورود اسم «حسان» للجزم بأن المراد بهم ذوو حسان المعقليون المعروفون عند ابن خلدون.
ذلك أن ابن خلدون، وهو معاصر تقريبًا للواقعة، يحدد مواطن ذوي حسان في زمانه بقوله:
«ومواطن ذوي حسان من درعة إلى البحر المحيط، وينزل شيوخهم بلاد نول قاعدة السوس فيستولون على السوس الأقصى».
(العبر، ج6، ص91).
فهذا هو المجال الذي يضعهم فيه شاهد معاصر، وليس أَهْنَت وتيديكلت وتوات التي يدور فيها خبر الوثيقة.
وفي المقابل، تعرف المصادر جماعة أخرى تحمل اسم حسان؛ وهم بنو حسان بن معقل بن سكسك الحميري، الذين جعلهم صاحب زهرة الأخبار في بلاد تاورة قرب زرهون ومكناس، ونسبهم إلى معقل بن سكسك الحميري (زهرة الأخبار، ص103).
وليس المقصود ترجيح أن «عرب حسان» في وثيقة تيديكلت هم هؤلاء، وإنما بيان أن اسم «حسان» لم يكن مختصًا بجماعة واحدة بحيث يكفي وروده لتعيين النسب.
ومن ثم فالمتعين منهجيًا إبقاء هوية «عرب حسان» الواردين في الوثيقة مفتوحة للتحقيق.
أما ما لا إشكال فيه، وهو موضع استدلالنا أصلًا، فهو أن الوثيقة تذكر «تجكانت» باسمهم صراحة نحو 794هـ/1392م.
▪︎ ثانيًا: تنيگي في المصادر البرتغالية في أواخر القرن التاسع الهجري/الخامس عشر الميلادي
وبعد نحو قرن من هذا الشاهد على اسم تجكانت، ننتقل إلى شاهد آخر مختلف في طبيعته، هو ظهور تنيگي Tinigui نفسها في المصادر البرتغالية المبكرة، بوصفها حاضرة قائمة في آدرار.
وتكتسب هذه الشهادات أهمية خاصة؛ لأنها لا تتحدث عن أطلال تنيگي بعد خرابها، وإنما تصف جغرافية آدرار في زمن كانت فيه تنيگي موضعًا مأهولًا قائمًا، قبل محنتها وتفرق أهلها بزمن طويل.
▪︎ فالنتيم فرنانديش
من أهم هذه الشهادات المادة التي جمعها Valentim Fernandes، وحُفظ أصلها ضمن مخطوط ميونيخ، ثم نشرها Pierre de Cenival وThéodore Monod في:
Valentim Fernandes, Description de la côte d’Afrique, de Ceuta au Sénégal (1506–1507), texte, traduction et annotations par Pierre de Cenival et Théodore Monod, Publications du Comité d’Études Historiques et Scientifiques de l’Afrique Occidentale Française, Série A, no 6, Paris: Librairie Larose, 1938.
وتثبت بيانات المكتبة الوطنية الفرنسية نسبة الكتاب إلى فرنانديش وتاريخ مادته 1506–1507، كما أن النسخة المنشورة تعتمد المخطوط المحفوظ في ميونيخ.
وتظهر تنيگي في هذه المادة باسم قريب من:
Tyrnjgui
ضمن حواضر آدرار.
وقد نقلت الدراسات المتخصصة في طرق الذهب الصحراوية مضمون نص فرنانديش في هذا الموضع، وأن آدرار الموريتاني في أواخر القرن الخامس عشر كان يضم أربع مدن هي:
Oadem = وادان،
Oulili،
Schinguete = شنقيط،
Tyrnjgui = تنيگي،
إضافة إلى قرية Fara.
ولا يقتصر الخبر على سرد أسماء المواضع؛ بل تدخل تنيگي في شبكة المسافات التي يقدمها المصدر بين حواضر آدرار، فيجعل بين شنقيط وتنيگي ستة léguas، وبين تنيگي وFara فرسخين.
وهذه المعلومة مهمة؛ لأننا لا نواجه مجرد تشابه في اسم موضع، وإنما اسمًا موضوعًا داخل شبكة جغرافية محددة بين حواضر آدرار المعروفة.
وينبغي هنا الاحتراز في التأريخ: فالنشرة تحمل تاريخ 1506–1507م، وإن كانت المادة التي حفظها فرنانديش تتضمن معلومات ترجع إلى أواخر القرن الخامس عشر؛ ولذلك فالأدق القول إن المادة البرتغالية التي حفظها فرنانديش تضع تنيگي ضمن حواضر آدرار في أواخر القرن الخامس عشر ومطلع القرن السادس عشر، بدل نسبة كل تفاصيل النص إلى سنة واحدة.
▪︎ دوارتي باشيكو بيريرا
ثم يأتي شاهد برتغالي آخر بالغ الأهمية، هو Duarte Pacheco Pereira في كتابه:
Esmeraldo de Situ Orbis
الذي يرجع تأليفه إلى نحو 911–914هـ/1505–1508م.
ويذكر باشيكو بيريرا وادان Audem، ثم يقول إن على مسافة خمس عشرة أو عشرين فرسخًا منها ثلاثة مواضع صغيرة مأهولة بالزناگة، ويسميها:
Singuyty = شنقيط،
Tynyguuhy = تنيگي،
Marzy.
(Duarte Pacheco Pereira, Esmeraldo de Situ Orbis, ed. Raphael Eduardo de Azevedo Basto, Lisboa: Imprensa Nacional, 1892, p. 44).
ولا يقتصر النص على أسماء الحواضر وسكانها؛ بل يقدم معلومات عن حياتهم الاقتصادية، فيذكر وجود الذهب القادم من غينيا/بلاد السودان، ويشير إلى اعتماد السكان على التمر، وعلى شيء قليل من القمح الذي يزرعونه في مجال النخيل، وعلى لحوم الماعز والضأن.
ومن ثم فإن النص البرتغالي لا يثبت مجرد وجود الاسم، وإنما يضع تنيگي داخل شبكة الحواضر الصحراوية المرتبطة بالتجارة العابرة للصحراء.
وهنا ينبغي ألا نحمل النصوص البرتغالية أكثر مما تحتمل؛ فهي تثبت وجود تنيگي وعمرانها وسكان المجال وبعض نشاطه الاقتصادي، لكنها ليست هي النصوص التي نعتمد عليها وحدها في نسبة تنيگي إلى تجكانت.
فتلك الصلة نجدها صريحة في مصادر أخرى.
▪︎ ثالثًا: تجكانت وشبكات التجارة الصحراوية بين المغرب وبلاد السودان
لم يكن اتصال تجكانت بمسالك التجارة الصحراوية أمرًا طارئًا في المصادر المتأخرة؛ فأقدم شاهد خارجي وقفنا عليه يضعهم سنة 1391/1392م في أَهْنَت، على اتصال بأهل تيديكلت وتوات، بعد قدومهم من جهة الغرب.
ثم نجد، بعد نحو قرن، تنيگي حاضرة قائمة في آدرار، ضمن مجال متصل بمسالك التجارة الصحراوية، كما تدل عليه النصوص البرتغالية المتقدمة.
وتقدم معلمة المغرب، في مادة «تجكانت» التي كتبها الباحث سعيد أعراب، قراءة تاريخية تجعل التجارة الصحراوية والمحاور الكبرى للقوافل عنصرًا أساسيًا في تفسير حركة تجكانت وانتشارهم.
فبعد حديثه عن الخبرة التجارية والحربية للجماعات الصنهاجية في الصحراء، وربط ذلك بالسيطرة على المحاور والمسالك، يقرر أن:
«الهيمنة المجالية والتجارية ستؤثر بشكل ملحوظ في انتشار فصائل مسونة عبر مختلف المراكز الاستراتيجية الفاعلة».
ثم يربط ذلك بتجكانت وشبكات التجارة الصحراوية، ويذهب إلى أن الدولة السعدية نفسها أفادت من خبرتهم، فيقول:
«وبلا شك عمل السعديون على الاستفادة من خبرة تجكانت».
(معلمة المغرب، مادة «تجكانت»، سعيد أعراب، ص2286–2288).
وهذه الإشارة مهمة؛ لأنها تضع تجكانت في سياق الخبرة بمسالك الصحراء وحركة القوافل بين المغرب وبلاد السودان.
▪︎ وتزداد أهمية هذا المعطى إذا تتبعنا الشهادات الفرنسية اللاحقة؛ إذ نجد نصًا صريحًا يحدد الجهات الصحراوية ذات العلاقات التجارية المستمرة بتنبكتو، فيقول:
«Les principaux pays en relations continues de commerce avec Tombouctou sont, pour la région saharienne, le Sud marocain, la région de Tindouf occupée par les nomades Tadjakant, le Touat et le Tafllalet.»
أي:
«وأهم البلاد التي لها علاقات تجارية مستمرة مع تنبكتو، فيما يتعلق بالمنطقة الصحراوية، هي جنوب المغرب، ومنطقة تيندوف التي يشغلها بدو تجكانت، وتوات وتافيلالت».
ثم، بعد تعداد البضائع المتبادلة، يصرح المصدر بأن نقل هذه البضائع على ظهور الإبل كان يتم:
«surtout par les nomades Tadjakant»
أي:
«خصوصًا بواسطة بدو تجكانت».
(Opérations de la colonne Joffre avant et après l’occupation de Tombouctou، ص33).
وهذه شهادة بالغة الدلالة؛ لأنها لا تثبت مجرد اشتغال أفراد من تجكانت بالتجارة، وإنما تضعهم داخل منظومة النقل التجاري بين شمال الصحراء وتنبكتو، وتخصهم بالذكر بين ناقلي البضائع على هذا المحور.
▪︎ ويؤيد ذلك شاهد فرنسي آخر عند Paul Marty في كتابه:
Paul Marty, Les tribus de la Haute-Mauritanie, Paris, 1915.
ففي حديثه عن مراكز وادي نون التجارية، ولا سيما Glimim = كلميم، يذكر القوافل الصحراوية الوافدة إليها، ويسمي ضمن الجماعات التي ترتاد هذه الأسواق:
«Regueïbat, Tadjakant, Berabich, Kounta…»
ويصف تلك المراكز في مواسمها التجارية بأنها أشبه بـ emporia، أي مراكز تجارية كبرى تتجمع فيها منتجات إفريقيا وأوروبا.
(Paul Marty, Les tribus de la Haute-Mauritanie, 1915, p. 89).
وبذلك تتكامل الشهادتان الفرنسيتان: إحداهما تضع تجكانت على محور تنبكتو–تيندوف–جنوب المغرب وتصرح بدورهم في نقل البضائع، والأخرى تثبت حضورهم ضمن القوافل الصحراوية الوافدة إلى أسواق وادي نون وكلميم في الطرف الشمالي من الشبكة.
ومن هنا فالأدق أن يقال: إن المصادر لا تثبت لتجكانت مجرد معرفة نظرية بمسالك الصحراء، بل تثبت مشاركتهم الفعلية في شبكات النقل والتجارة التي تصل أسواق المغرب بالصحراء وبلاد السودان.
وهذا السياق يساعد على فهم موقع تنيگي، ولكنه لا يغنينا عن الدليل المستقل على نسبتها إلى تجكانت؛ وهو ما نجده صريحًا في النصوص الآتية.
▪︎ رابعًا: النصوص التي تربط تجكانت بتنيگي
أما علاقة تجكانت بتنيگي فليست موضع إشكال بين المصادر؛ إذ تتضافر المصادر المحلية والخارجية على هذه الصلة.
ومن أصرح النصوص في ذلك الرسالة الغلاوية المسماة مبرد الغليل وشفاء الغليل؛ فقد جاء فيها:
«وتجكانت زمنئذ بتنيكي، قصرهم المشيد، قبل حربهم فيه وفرقتهم منه، كما هو معلوم مذكور».
(مبرد الغليل وشفاء الغليل، ص202).
وهذه العبارة شديدة الأهمية؛ لأنها لا تكتفي بإثبات وجود تجكانت في تنيگي، وإنما تسميها صراحة:
«قصرهم المشيد».
كما أنها تلخص ثلاث مراحل من تاريخ الحاضرة:
وجود تجكانت بتنيگي ← الحرب فيها ← تفرقهم منها.
ويأتي أحمد بن الأمين الشنقيطي في الوسيط في تراجم أدباء شنقيط بشهادة صريحة على مكانة تنيگي العمرانية، فيقول:
«تنيكي، وهي مدينة مشهورة، وكانت من مدن آدرار المعتبرة فيما مضى، وكانت بها دور ونخيل، ولم يبق منها اليوم إلا الأطلال وجذوع النخيل».
(الوسيط، ص340).
وهذه العبارة جديرة بالتوقف؛ لأن صاحب الوسيط لم يصف تنيگي بأنها مجرد موضع أو مورد أو مضرب، وإنما سماها صراحة:
«مدينة مشهورة»
وعدّها من:
«مدن آدرار المعتبرة».
ثم قدم شاهدًا على طبيعة عمرانها بقوله:
«وكانت بها دور ونخيل».
وهذه شهادة تتفق في أصلها مع الصورة التي تقدمها المصادر البرتغالية الأقدم؛ إذ وجدنا تنيگي في أواخر القرن التاسع وأوائل القرن العاشر الهجريين مدرجة في عداد حواضر آدرار، ثم يأتي أحمد بن الأمين بعد قرون فيصف بقايا عمرانها.
▪︎ بول مارتي
ثم نجد في المصادر الفرنسية نصًا بالغ الصراحة عند Paul Marty، إذ يقول عن تجكانت:
«Ils s’étaient construits un qçar à Tiniégui…»
أي:
«وكانوا قد شيدوا لأنفسهم قصرًا في تنيگي…»
والتوافق بين عبارة الرسالة الغلاوية:
«بتنيكي، قصرهم المشيد»
وعبارة بول مارتي واضح؛ فكلا النصين يربط قصر تنيگي بتجكانت ربطًا صريحًا.
كما يصفها مارتي في موضع آخر بأنها مركز تجكانت:
«les Tadjakant, dont le centre était Tiniégui entre Chinguéti et Ouadane…»
أي:
«تجكانت، وكان مركزهم تنيگي بين شنقيط ووادان…»
وهذه النصوص مجتمعة مهمة في قراءة الشهادات البرتغالية السابقة؛ فالمصادر البرتغالية أثبتت لنا تنيگي وهي قائمة ومأهولة في أواخر القرن التاسع وأوائل القرن العاشر الهجريين، بينما تصرح المصادر الأخرى بأن تنيگي كانت قصر تجكانت ومركزهم.
ولا يعني ذلك أن كل معلومة في مصدر متأخر يجوز إسقاطها آليًا على القرن الخامس عشر؛ وإنما يعني أن صلة تجكانت بتنيگي نفسها ثابتة ومتضافرة في المصادر.
▪︎ خامسًا: محنة تنيگي وتفرق أهلها
ثم أصابت تنيگي المحنة التي اشتهرت في أخبار تجكانت، ووقعت الحرب والخلافات بين أهلها، وانتهى الأمر بتفرقهم منها.
وقد لخصت الرسالة الغلاوية هذا التحول التاريخي في العبارة السابقة:
«قبل حربهم فيه وفرقتهم منه».
كما يحفظ بول مارتي أخبارًا عن الخلافات التي أدت إلى تفرق تجكانت، ويذكر في هذا السياق بعض الشخصيات المرتبطة بتاريخ تنيگي.
ولا أريد التوسع هنا في تفاصيل محنة تنيگي؛ لأنها تستحق دراسة مستقلة تجمع المصادر المحلية والخارجية، وتحقق تاريخ وقوع الأحداث وتسلسلها.
ويكفي في هذا المقام الإشارة إلى أن التفرق الذي أعقب المحنة أدى إلى انتشار جماعات تجكانت في جهات متعددة، من أبرزها تيندوف ودرعة شمالًا، وتكبة في منطقة الركيز الشرقي قرب تامشكط، وآفطوط وشمامة جنوبًا وجنوب غرب.
وهكذا تحولت تنيگي من قصر جامع ومركز لتجكانت إلى نقطة انطلاق لشتات واسع تشكلت منه تجمعاتهم المعروفة في جهات متعددة من المجال الصحراوي.
▪︎ أما تحديد تاريخ خراب تنيگي تحديدًا دقيقًا، وربط كل فرع من فروع هذا الشتات بتاريخ خروجه ووجهته، فيحتاج إلى دراسة مستقلة؛ ولذلك لا أحمل هذه المقالة ما لم توضع له أصلًا.
الخلاصة: من وثيقة 794هـ/1392م إلى تنيگي وشبكات الصحراء
إذا رتبنا هذه الشواهد بحسب تسلسلها التاريخي ظهرت أمامنا صورة تستحق مزيدًا من البحث.
ففي حدود 794هـ/1392م نجد اسم:
Tadjakant = تجكانت
صريحًا في خبر نقله A.-G.-P. Martin عن ورقة مخطوطة عُثر عليها في تيديكلت.
ولا يظهر تجكانت فيه أفرادًا معزولين، بل جماعة متميزة بالاسم، جاءت إلى أَهْنَت مع العريب وكثير من «عرب حسان»، وفاوضها أهل تيديكلت وتوات عن طريق وفود من أعيانهم، وانتهى الأمر بعقد ميثاق صداقة.
وهذه، فيما وقفت عليه حتى الآن، أقدم شهادة خارجية مؤرخة تذكر اسم تجكانت صراحة.
ثم، في أواخر القرن التاسع الهجري/الخامس عشر الميلادي ومطلع القرن التالي، تظهر تنيگي في المادة البرتغالية التي حفظها فالنتيم فرنانديش ضمن حواضر آدرار وفي شبكة جغرافية تربطها بشنقيط وغيرها.
وبعد ذلك، في حدود 911–914هـ/1505–1508م، يذكرها دوارتي باشيكو بيريرا باسم Tynyguuhy ضمن مواضع مأهولة بالزناگة في آدرار، ويقدم وصفًا للحياة الاقتصادية المتصلة بالذهب القادم من بلاد السودان والنخيل والزراعة والماشية.
وبين أقدم ظهور لاسم تجكانت وظهور تنيگي حاضرة في المصادر البرتغالية، ثم في القرون التالية، تكشف الشواهد عن أهمية المحاور التجارية الصحراوية في تاريخ الجماعة؛ حتى ذهبت معلمة المغرب إلى أن السعديين استفادوا من خبرة تجكانت، في عصر كانت فيه الدولة السعدية تتجه عبر توات وتيكورارين وتخوم الصحراء نحو بلاد السودان.
وتؤكد المصادر الفرنسية لاحقًا استمرار هذه الوظيفة؛ فتجعل منطقة تيندوف التي يشغلها بدو تجكانت من الجهات ذات العلاقات التجارية المستمرة بتنبكتو، وتصرح بأن نقل البضائع على هذا المحور كان يتم:
«surtout par les nomades Tadjakant»
أي:
«خصوصًا بواسطة بدو تجكانت».
ويكمل بول مارتي الصورة من الطرف الشمالي للشبكة، حين يذكر Tadjakant ضمن القوافل الصحراوية التي كانت تفد إلى المراكز التجارية الكبرى في وادي نون وكلميم.
ثم تتضافر النصوص في نسبة تنيگي إلى تجكانت؛ فتقول الرسالة الغلاوية:
«وتجكانت زمنئذ بتنيكي، قصرهم المشيد…»
ويقول بول مارتي:
«Ils s’étaient construits un qçar à Tiniégui…»
أي:
«وكانوا قد شيدوا لأنفسهم قصرًا في تنيگي».
ويصفها في موضع آخر بأنها مركز تجكانت بين شنقيط ووادان.
ثم تأتي شهادة أحمد بن الأمين الشنقيطي، فيصف ما كانت عليه تنيگي وما بقي منها في عصره بقوله:
«تنيكي، وهي مدينة مشهورة، وكانت من مدن آدرار المعتبرة فيما مضى، وكانت بها دور ونخيل، ولم يبق منها اليوم إلا الأطلال وجذوع النخيل».
وبذلك تتكامل الشهادات، مع اختلاف أزمنتها وطبيعتها:
وثيقة تيديكلت تثبت اسم تجكانت في أواخر القرن الثامن الهجري؛ والمصادر البرتغالية تثبت تنيگي حاضرة آدرارية قائمة مأهولة في أواخر القرن التاسع وأوائل القرن العاشر؛ والمصادر المتعلقة بالتجارة الصحراوية تكشف عن خبرة تجكانت بالمحاور التي تصل المغرب ببلاد السودان ومشاركتهم الفعلية في حركة النقل عليها؛ والرسالة الغلاوية وبول مارتي يصرحان بأنها قصر تجكانت ومركزهم؛ وأحمد بن الأمين يشهد، بعد اندثار عمرانها، بأنها كانت «مدينة مشهورة» ومن «مدن آدرار المعتبرة»، وأن آثار دورها ونخيلها ظلت شاهدة عليها.
ثم تقع محنة تنيگي وتتفرق جماعتها، وتتجه فروع من تجكانت إلى تيندوف ودرعة وتكبة وآفطوط وشمامة وغيرها.
وبذلك لا يبدأ تاريخ تجكانت الموثق بالروايات المتأخرة عن خراب تنيگي وشتات أهلها؛ بل نستطيع، في ضوء ما وقفت عليه حتى الآن، إرجاع اسم تجكانت نفسه إلى نحو 794هـ/1392م، ثم نجد بعد نحو قرن تنيگي حاضرة قائمة في المصادر البرتغالية، قبل أن تتضافر المصادر العربية والأوروبية على وصفها بأنها قصر تجكانت ومركزهم، ثم تحفظ لنا أخبار محنتها وتفرق أهلها.
وهذا كله يدعو إلى إعادة دراسة تاريخ تجكانت بين القرنين الثامن والحادي عشر الهجريين/الرابع عشر والسابع عشر الميلاديين من خلال الجمع بين الوثائق الصحراوية، والمصادر البرتغالية، والمصادر الأوروبية اللاحقة، والمصادر المحلية، مع الالتزام بقاعدة منهجية أساسية:
أن نعطي كل نص قدر ما يدل عليه؛ فلا نحمله ما لم يقل، ولا نهمل ما أثبته صراحة.
د. السالم بن ديد عبود

صدقة جارية